القنوات الاخبارية تسبب “أزمات” في البيوت الموريتانية

القنوات الاخبارية تسبب
ظل التلفزيون في موريتانيا إلى حد قريب وسيلة الترفيه السحرية التي تجتمع لمشاهدتها الأسرة الواحدة، منتظرين بفارغ الصبر الساعة التي سيتابعون فيها معا المسلسل التاريخي أو المدبلج أو الفيلم أو البرنامج الترفيهي، وأحيانا نشرة الأخبار الوحيدة.

كانت جل أحاديثهم وتعليقاتهم حول بطل الفلم أو بطلته تختلف، باختلاف أمزجتهم وعواطفهم، فالأم تتعاطف مع البطلة المظلومة والمنكسرة، والأب يتعاطف مع البطل الذي يصارع الموت من أجل البقاء، بينما يتوزع اهتمام المراهقين و الأطفال بين هذا وذاك.

ظلت برامج التلفزيون إلى حدود نهاية الألفية الثانية في موريتانيا الأداة التي تجمع معظم الآراء على أنها توفق بين الرجل والمرأة والطفل المراهق، ربما نظرا لقلة توفر القنوات التي تبث من جهة، وعدم تدفق المعلومة الإخبارية السريعة من جهة أخرى، ومن هنا كان الناس باختلاف أجناسهم وأعمارهم يجتمعون على التأقلم مع المتاح فقط.

ومع الطفرة الإعلامية بداية الألفية الثالثة وكثرة انتشار البرامج و القنوات الترفيهية والإخبارية، أصبح المتَـلقي يحتاج لنوع من العصف الذهني لاختيار أي قناة يتابع، بعد أن بات من المتعذر عليه الاستمتاع بمتابعة مريحة بسبب تعدد الخيارات التي أصبحت تربكه، وتجعله في حيرة من أمره إزاء كل هذه القنوات، “التي لا يعرف أي منها الأكثر ملائمة للمتابعة” يعلق أحد الإعلاميين.

كما اتسعت الهوة بين اهتمامات الرجل والمرأة، وذلك بحكم اختلاف أذواقهما ودوافعهما، إلى درجة أصبحت معها المرأة الموريتانية تصنف بعض القنوات الفضائية على أساس أنها العدو اللدود، لكون هذه الأخيرة أصبحت تنافسها في الاستحواذ على اهتمام الرجل الذي تعتقد بأن لها الحق وحدها في امتلاكه، ومن أكثر القنوات التي تكرهها المرأة الموريتانية بشكل كبير قناة الجزيرة الإخبارية، وملحقاتها الرياضية، وقناة العربية وبقية القنوات الأخرى ذات الطابع الإخباري، والقنوات الموريتانية الجديدة، التي تركز في الغالب على الشأن السياسي، بينما تحظى قنوات أخرى مثل MBC وLBC و(حنبعل) باهتمام كبير لدى الفتيات الموريتانيات.

فاطمة بنت ابراهيم طالبة جامعية، قسم القانون تقول بأن مشاهدة القنوات الإخبارية تعرضها للإصابة بالدوار وتقلصات في المعدة، بسبب رتابتها، والشعور بالملل الذي ينتابها حين تتابع نشراتها الإخبارية بصفة خاصة، وترى أن جل برامج هذه القنوات “لا تتناول سوى أخبار الحروب والدمار والموت والسياسة، وهي أشياء لا أتذوقها على الإطلاق”، بحسب تعبيرها.

أما مريم، ممرضة اجتماعية، فترى بأن القنوات الإخبارية أصبحتا تنافسها في زوجها، لأنه كما تقول لم يعد يوليها أدنى اهتمام بسبب هذه القنوات، “فما إن يعود إلى البيت حتى يتربع أمام جهاز التلفاز المثبت على قناة العربية أو الجزيرة التي يهيم بها عشقا، حتى أنه يفرض علينا أثناء مشاهدته لنشرة الأخبار جوا من الصمت الذي لا يطاق، وبهذه الوضعية استحالت حياتي جحيما ينضاف إلى جحيم العمل اليومي في المستشفى، وقد اضطررت غضبا في أحد الأيام إلى دفع جهاز التلفزيون من فوق الطاولة حتى وقع على الأرض” كما تقول.

من جهتها عيشة صاحبة مطعم شعبي بحي (توجنين) تذهب أبعد من ذلك، حين تقول بأن الدافع وراء إدمان زوجها مشاهدة القنوات الإخبارية، ليس البحث عن الأخبار، بل هي الرغبة في مشاهدة المذيعات اللواتي يخلبن لبه، وتستطرد قائلة :”لقد فاجأني في أحد الأيام بتعليقه على فستان إحدى المذيعات، قائلا إن الفستان الذي تلبسه تلك المذيعة جميل جدا، فصفعته بشدة على الخد بسبب تحديه لكرامتي” وأضافت “أنا أدرك أن تعليقه على الفستان ليس سوى مجرد تمويه يخفي به إعجابه بالمذيعة، كما لو أنه يريد أن يقول هذه المذيعة التي تقدم نشرة الأخبار جميلة”.

فتيات مراهقات يدرسن بثانوية “البركة” الحرة يقلن بأن الوقت الذي يتمتعن فيه بمشاهدة ما يرغبن في متابعته، كالأفلام والمسلسلات وأغاني الفيديو كليب هو حين يكون الأب غائبا عن المنزل، لأنه عندما يأتي سيغير الجهاز إلى القنوات الإخبارية، أو أي نشرة أخبار أخرى بإحدى القنوات، “وأنا أعجب من كونه لا يصاب بالملل جراء متابعة هذه القنوات” تقول الفتاة( آمال) ضاحكة بصوت مرتفع!.

رأي آخر لإحدى السيدات المثقفات وهي أستاذة بكلية الآداب في جامعة نواكشوط، تقول إن بعض القنوات كالجزيرة أو العربية أو بي بي سي أو فرانس 24، أصبحت تلعب دور الضرة في حياة المرأة الموريتانية، مما تسببت في كراهيتها.

وتعلق متسائلة :”كيف بامرأة أن تقبل التعايش مع ضرتها في نفس المنزل، وتحت نفس السقف، فجل أحاديث الرجل أصبحت من قبيل قالت القناة الفلانية وأوردت قناة أخرى، والمرأة كما تعلم كائن حساس جدا ويفضل أن يشعر بالاهتمام من قبل الرجل، وإذا كان هذا الأخير مفقودا لأمر معلوم، فمن الطبيعي أن تكره المرأة ذلك الشيء الذي تراه منافسا لها في بيتها، ومن حقها أن تحاول إزالته من حياتها”.

وتضيف :”أنا شخصيا لم أصل إلى تلك الدرجة من الكراهية، ربما لأنني أشاهد هذه القنوات في بعض الأحيان”.

بعض الرجال أعربوا عن استيائهم من عقلية زوجاتهم، واعتبروا أن مشاهدة هذه القنوات تساعدهم كثيرا في الهروب من سخافة المرأة وأحاديثها التافهة من قبيل : قالت صديقتي وقال الجيران وشاهدت بمنزل أهل فلان واستمعت إلى كذا، فهذه يقول إبراهيم “أحاديث مملة ولا يمكن التغلب عليها إلا بمتابعة تلك القنوات التي تخرجني بعيدا عن هذه الأجواء، التي تعقدت بسبب صعوبة الأوضاع المعيشية، ومن شأن مشاهدة هذه القنوات على الأقل أن تشعرنا بأننا لا نعيش وحدنا، هذه المشاكل، كما أنني في بعض الأحيان أمل من المماحكة مع زوجتي، فاضطر إلى البحث عن مكان أشاهد فيه نشرة الأخبار وأترك لها التلفزيون”.

إلا أن بعض الرجال من جهة أخرى اعترفوا بأنهم لا يرغبون في المرأة التي تدس أنفها في كل كبيرة وصغيرة ، “لأن ذلك من شأنه أن يفقدها الدلال و الأنوثة” يعلق محمد- شاب ثلاثيني- مضيفا:”أنا لا أرغب في امرأة تطارحني الآراء و التعليقات حول بعض الأمور، التي هي من صلب اهتمام الرجل، فهي لها قنواتها الخاصة كـاستار أكاديمي وروتانا، تلك التي تعرض ما يتلاءم مع شخصيتها من المسلسلات والأفلام والأغاني التي تعالج قضايا الحب والزواج والطلاق والفضائح الاجتماعي”.

أحد أخصائيي علم الاجتماع برر لصحراء ميديا عدم رغبة معظم النساء في متابعة القنوات الإخبارية بتطلع العائلات والمجتمع في الحفاظ على الصورة النمطية للمرأة، تلك الصورة التي يستمدها من بعض التفسيرات التي تتكئ على الدين الإسلامي مثل القول الشائع :(المرأة من بيتها إلى قبرها) و(المرأة ناقصة عقل ودين ) فالرجل ذو الصفات “الشرقية” لا يزال يرفض مزاحمة المرأة له في العمل والاهتمامات والآراء، لأنه يراها قاصرة عن فهم العديد من المسائل التي لها علاقة بالرأي العام، ويرغب في رؤيتها كذلك.

وهذه يقول من الأسباب التي تقف وراء تخلف المجتمع، لأنه مادام أكثر من نصفه مشلولا تبقى أي نهضة أو تطور أمرا غير وارد، يضاف إلى ذلك أن العديد من النساء لا يكلفن أنفسهن عناء متابعة بعض البرامج الجادة التي تبثها بعض القنوات، كتلك البرامج التي تتحدث عن أساليب تربية الطفل أو طرق التعامل مع المراهق ولا حتى تلك التي تساعد في التفاهم الزوجي، مضيفا :”أعتقد أن المرأة استسلمت لتلك النظرة وباتت ترفض أن تتعاطى مع أي مجال مغاير لذلك المسار الذي تبتغي فيه الراحة والدلال، اللهم في حالات نادرة جدا”.

المصدر

Advertisements