من عُطيل الموريتاني إلى تاجر البندقية

جلستُ على الشاطئ وحيدا  غير بعيد من الربوة التي تتناثر حولها أنقاض القلعة الهولندية القديمة في أكادير وقد تبدت في الأفق شمس المغيب وهي تكسو السماء بلونها الزحليّ العجيب وهو لون بكائي تختلط فيه الصفرة الكابية  بحمرة  عندمية  حزينة.. لحظتها خُيل إليّ أن الكون  تخلى عن كل جبروته  وتفرغ في ساعة ابتهال لعبادة ونجوى نادرة الحدوث فطفقت أنقش في الهواء ما نحته قبطيّ العفاف على جدران الزنزانة وأخطُ بعصا مصريٍ منسي في تابوت ما حفرته  منسأة مقدسيٍ على ريحٍ  مرّدت لوحدها صرحا من القوارير…

 

أروع ما قد يرسمه بشر على الأرض هو قصر رمل ينتظر مد البحر… لذا بنيتُ على الشاطئ قصري ووضعت له بوابة فخمة صففت لها  ثلاث  عصيّ  كعواميد الرومان بُعيد نجم خماسي فاخرٍ وعلى رأسها شرفةٌ مثل السنانِ المُقومِ ورمزتُ ميماً طميسا أبترًا كعنوان  بريدي ثم زودت البناء بسلم مربع مخفي وكأنه ليس بسلم بل كوةٌ يتسرب منها بصيص ضوء في أغوار مظلمة وكتيمة.

رأيت من رسمي عجبا فقد أخذتني نفسي بعيدا.. بعيدا وكدت أن لا أعود.

على  الرمل لاقيتُ عُطيلاً وهو يختار سفينة ضخمة من سفائن الإفرنج وليس معه من المتاع إلا منديلٌ صغير في جيبه. منديل حقير نسجته ذات يوم أسوانية سوداء  أو سونينكية كما  في دارج القول هذه الأيام.

منديل عُطيل حمل أسرارا دفعته إلى التعلق بالصارية السامقة وقد كانت تعتريه مثلي خيبات  ألزمته على ركوب البحر والمخاطرة بعيدا عن مضارب  المنقبين من لمتونة لذا انتبذ  في أكادير منذ سبعمائة سنة ورسم على رملها ما رسمت ورحل بعيدا وسأرحل مثله في الغد الباكر.

من الساحل الأسود الغربي رمته الأقدار صدفة في قنوات مائية عجيبة هي طرقات مدينة حالمة وعائمة وسعيدة تدعى البندقية ووحده شكسبير القادر على نقلى  ونقلكم في لمح البصر من أكادير مباشرة إلى البندقية.

لم يكن عُطيل هذا نتاجا جامحا من مخيلة وليام شكسبير الطفاحة بقدر ما كان موريتانيا صرفا فيه شيء من عروبة وشيء من زنوجة ودماء بربر ومخاطرة فينيق واستطاع بحيازة الأسرار وبالشجاعة أن يصبح سيد البحار دون منازع وابتسم له الحظ كثيرا فأحبته ديدمونة كريمة سيناتور البندقية ونائب “دوجها” المتنفذ.. وتتالت انتصاراته وأضحى بعد مسار مرير العزيز المَكين بأغنى وأقوى ممالك العالم.

كان عُطيل وقت اللقيا مرحا وحلو المفاكهة سريع البديهة ما إن بادرته بالتحية السريانية “أهمن سقكن”  أي كيف الحال حتى أجابني قائلا “حلعن يصن” وتعني قضيّ الأمر.. ورحت أجاذبه الحديث بتلك اللغة الشرقية البائدة التي اعتمدها أهل البرزخ وتنكبوا غيرها وعرفت من حديثه عن خفايا ضاعت وفهمت الدرس العويص.

عُطيل ككل موريتاني أحب بعنف واستبدت به الشكوك وتلاعبت به الظنون لذا لم تكتب له السعادة الطويلة  وهذا أمر مفهوم فالعاشق الموريتاني منذ زمن غابر مولع بسوء الظن وتصديق الوشاة ومبتلى دوما بشيء من السذاجة والطيبة  لذلك سقط  عُطيل في الفخ وقتل ديدمونة خنقا وهي تطارحه الحب على وثير فراش بعد أن رمت أيد آثمة منديل السونينكية في فراش رجل آخر.. فتيقن الموريتاني المتسرع أنه دليل أكيد على خيانة الحسناء الوفية.

ندم عُطيل ندما عظيما عندما خسر ,كابن زريق, كل شيء وراح يقارن في شاعرية أسيفة بين دماء الفقيدة والصمغ المجترح أبدا من أشجارنا البريئة.. ثم قتل نفسه ليعاقبها على ما فعلت برمز الجمال وأيقونة الإخلاص ولم يكن أمره غريبا في أعرافنا فكلنا نحب بعنف وكلنا ضحايا افك وسذاجة.. وكلنا  مازوخيون من نسل عُطيل تنقب أعيننا عن مسبحة ضائعة وتستنشق أنوفنا روائح العابرين بتوجس وريبة.

كان الرئيس مختار ولد داداه  -رحمه الله- رجلا حاذقا رابط الجأش لا يتنازل أبدا عن ذرة من عقله وفطنته لذا كان بعيدا عن كل صخب لا تحركه المشاعر ولا تقوده الانطباعات وله من الفضائل والمحامد ما يصعب حصره ويستحيل عده لكنه لمن عرفه عن قرب ظل عاشقا لأرض تيرس وأهلها وفيا لحبه  الأكبر إلى أن لاقى وجه ربه.

حبه كان صادقا ومبكرا فقد خيّر فور تخرجه كترجمان للمكان الذي سيبدأ فيه حياته المهنية وكان ذلك في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي فاختار دون تردد قلعة ترينكيه أو ما يعرف الآن ببير أم قرين وتفاجأ الحاكم الفرنسي كثيرا من غرابة الاختيار فقد صنف كل الناس المنصب عقابيا ووصفوه بالسجن البعيد وتعجبوا من أمر الفتى المتفوق والقادم من أهل حظوة ونفوذ تجعله يستحق منصبا أكثر رحمة.

أصر مختار على المنفى النائي و علل  في مذكراته قراره الغريب   بحبه العارم لتلك الهالة التي تحيط بأهل تيرس وما حيك حول استبسالهم الملحمي في مقاومة الغزو الفرنسي من أساطير.. كأنه أحبهم سماعا وقديما قيل الأذنُ يا قوم تعشق قبل العين أحيانا !

أمضي الرجل عقدا من الزمان متنقلا بين قلعة ترينكيه وقلعة غورو وزار كثيرا  اميجيك وبير انزران واستجم في فيلا سيسنروس وعيون الساقية والطنطان وواد نون وتعرف على الناس وانسجم معهم في حب وغرام.

وهذا أمر طبيعي  ومألوف فمن منا يستطيع معرفة الرقيبات وشكم نفسه عن السقوط في فخ الهيام الأبدي بهم؟

لا شيء أبهى من صباحة بناتهم.. ولا توجد موسيقى على وجه البسيطة أرقى من أناشيدهن وهي تتماهى والليالي المقمرات على ثرى تيرس هناك  بعيدا حيث تُمطر السماء شتاءً وحيث يبتسم النوار على مشارف الجلتة الجذلى منذ القدم.

في داخل مختار ولد داداه رقدت قصائد لم تعرف طريقها للكتابة والنشر وكلها من نوع جزل تحاكي ولد الطلبة وتتغني بتلك الأرض والنجل في عيون أهلها.. وقصته الطويلة والمعقدة مع الصحراء طمرت عن العيان قصيدة شعر عصماء ورائعة لم تعرف بعد.

غادر تيرس والدمع منسكب.. وغادر موريتانيا كلها.. بعد أن رسم قصورا من رمل واستدعى مثلي ومثل عُطيل من قبلي حظوظ المخاطرة وتلمس القوة من منديل أسواني لست أدري كيف حصل عليه.

عاد  بعد عقد من الزمان أستاذا كليّ الاحترام ورئيسا فخيما لجمهورية أراد لها أن تولد من رملنا وتحت سمائنا.. دولةً بكراً تجمع شملنا أعرابا وأزناجا بعد طول فرقة وطائش تفريق.

خلال رئاسته الطويلة والعنيدة أقام الدنيا وأقعدها باحثا عن تيرس الغربية وعن وصالها وتجشم في ذلك ما لم يتجشمه أحد وحين اقتربت ساعة الوصل ضاع المنديل وأطرقت ديدمونة حزنا ولم يستطع أحد أن يُفهمه أن الأمر قضي بليل وأن ليس له فيه من سبيل.

ككل عاشق موريتاني استبدت به الظنون وراحت رسل  الحب تتحول إلى قوة احتلال وناب التجافي عن طيب اللقاء وانبت ما كان موصولا بأيدينا.. ونشبت الحرب وهو يتحدث في كل مناسبة عن العناق الأبدي بين حبيبين فرقهما الاحتلال الأوروبي وصال في هيامه الصحراوي وجال وديدمونة تنزف دما وحين أدرك عمق الجراح راح كعطيل ينتقم من نفسه ويعاقبها.

لذا لم يبالي بما أخبره به صديقه المغربي من أنباء انقلاب وشيك خابرهم أحمد ولد الوافي بخفاياه ولم يكترث برسالة موبوتو سيسيكو حول مؤامرة الأخوين ولد عبد الله وعندما التحق به أحمد ولد الزين ليخطره على عجل هامسا أن فلانا وعلانا –وكلهم أصدقاء ولد الزين – حسموا أمرهم وقرروا خلعه في الصباح لم يحرك ساكنا بل ابتسم ولاذ بصمت مترفع وغريب.

في الصباح جاء عسكر أجلاف واقتادوه إلى السجن واكتشفوا بدهشة وذهول انه كان ينتظرهم منذ زمن طويل وأنهم تأخروا كثيرا وأنهم بالنسبة له مجرد خناجر يريدها في صدره كما أراد عُطيل لنفسه أن يرحل.

لم يكن ولد داداه عطيليا وحده فلقد كان ولد هيدالة هو الآخر عطيلا بطريقته, هنالك شيء ديدموني في علاقته بالناس, لذا يصعب فهم تناقضه  بسهولة ومن العَصي وجود تفسير آخر لمشاعره ووساوسه وتقلباته.

نتذكر عنه على سبيل المثال لا الحصر كيف أظهر للرئيس مختار وهو في سجن ولاتة من الحب والتقدير ما لم يلزمه عليه أحد وقد كان رئيسا للأركان وليس هناك سبب وجيه واحد للنفاق والمداهنة.. في حديثه معه كان وديا يلتمس المشورة وحنونا يعدُ دون طلب بالعمل على الإفراج عنه بل ويقترح طرقا عجيبة للاستفادة من خبرته !

لقد كان ولد داداه صديقا لوالده وقد كان مراعيا له في دراسته واختاره مرافقا وائتمنه على نفسه وكان يزجر من اعتبروه مواليا للبوليساريو..على الأقل من الناحية الشخصية لم يكن هناك نزاع بل كان هناك حب وود.

الغريب في أمر هيدالة أنه ما إن آل إليه الأمر حتى حاول التملص من وعد سلفه المرحوم احمد ولد بوسيف بإطلاق سراح السجين الولاتي المريض.. ولولا دهاء السفير الفرنسي وتعاون وزير الخارجية أحمدو ولد عبد الله وتلاعبهم  بالبدوي لما قبل فكرة مغادرة ولد داداه البلاد للعلاج. لقد ظن في سذاجة أن مذكرة دبلوماسية تلتزم فيها الجمهورية الفرنسية بإعادته إلى السجن  كافية للقبض عليه في أي وقت ثم أدرك أن الوثيقة تبخرت وربما أعادها ولد عبد الله لأصدقائه الفرنسيين فاستشاط غضبا وأودع ولد عبد الله في السجن مكان الرئيس الغائب وأرسل خلفه ولد الزامل لتحذير جيسكار ديستان من مغبة التلاعب به وقال له بالحرف إن موريتانيا تشترط إعادة الرئيس السابق إليها وفورا.. بطبيعة الحال أضحكت نبرة ولد الزامل الرئيس جيسكار كثيرا ووقف متسائلا وهو يقول لنفسه منذ متى صارت فرنسا عنبرا من عنابر السجون الموريتانية؟

لم يتردد ولد هيدالة في محاكمة الرئيس الأسبق – غيابيا – والحكم عليه بالسجن المؤبد والأشغال الشاقة ومطاردته في كل مكان واضطهاد ذويه ومقربيه و طمس ذكراه في كتب التاريخ الرسمية وأسرف في ذلك كثيرا.. وكثيرا.

ذات يوم  ضاع المنديل الأسواني وهو في الربى الخضر المحيطة ببرك الغماد فقرر العودة من بوجمبورة مفضلا السجن على البعد والنفي وكأنه في مازوخية عطيلية جديدة يريد معاقبة نفسه.. والأغرب من كل ما سلف أني لمحته في المطار مستقبلا مختار ولد داداه ومشاعر الفرح تعتريه في احتفالية جلية بنهاية المنفى الطويل والمؤلم الذي كابده الرئيس الراحل وقد كان ولد هيدالة أول من أجبره عليه !

لن أنسى ما حييت دموع الحزن في عينيه الصغيرتين اللماحتين ساعة الصلاة على جثمان الرئيس المؤسس وأخالني قرأت يومها شيئا من الصدق في وجهه  الحزين.

لم يخلو معاوية ولد الطايع من عاطفة جامحة رغم ما عرف عنه من برود مشاعر واقتصاد في الكلام والحركة. الجميع يتذكر كيف انقلبت مشاعره من الود والمحبة لأشقائنا البولار إلى الكراهية والضغينة.. الكل يتذكر كيف استبدت به الظنون وتلاعبت به الشكوك ودفعته إلى ارتكاب المظالم الكبرى كالخنق  حتى الموت والردم الجماعي وهي كلها تعابير وحشية نابعة من حب موءود وخيبة مفاجئة وغيرة مجنونة.. وتذكروا معي كيف كان يصنفه أهله قبل ذلك بسنوات كواحد من أقل الضباط “التكارير” كراهية للعرب “المور”.

قد يجد المتتبع  الفَطن في أمر معاوية شيئا من عطيلية دفينة وان كنت أجده أقرب الناس إلى شخص مكبث ذلك النبيل الاسكوتلندي الذي صار ملكا بدعم الساحرات الثلاث ومكائد زوجته وبصدفة مباغتة اندفع إلى الجرأة  وسرقة عرش لم يكن أحد يصدق أنه يحلم باعتلائه.. وقام بكل شيء ليبقى فيه إلى الأبد.. لكن ماتت العقيلة  وظل شبحهها يلاحقه وفقد مُلكه بعقد ونيف بعدها باكيا كالنساء.. وذاق مما جرع الناس وأراح واستراح.

لنتقدم مع الشخوص الشكسبيرية  سريعا.. فهي تلائمنا تماما وتتطابق مع أشخاص المسرحية الموريتانية الطويلة والمفزعة ولنتقدم أيضا في المقارنة والإسقاط فسنصل وبشكل حتمي ومذهل إلى ما نعيشه الآن وسنجد أنفسنا  أمام كوميديا مرة وعظيمة يحتكرها شيلوك المرابي وتاجر البندقية الجشع الذي أغرق  في شُباك ديونه كل ساذج وغَفل وحَجر على كل سفيه وأبعد كل متبصر مشترطا لقضاء قروضه رطلا من اللحم البشري من كل مَدين.. ولم يصدقه بعض الناس  بل اعتبروا الأمر هزليا ووقعوا العقود مع المرابي وحين عجزوا عن فوائده المتراكمة شَحَذ سكاكينه وبدأ عمليات القطع الأليمة.

بعبارة أخرى أكثر وضوحا وبساطة قد أسدى ولد عبد العزيز خدمات كبيرة لموريتانيا وأهمها على الإطلاق إنهاء مسرحية مكبث المملة وساحراته المخيفات لكنه لم يكفيه من العوض التهام كل أسماك البحر ولم ترضيه معادن الشمال وكنوزه ولم تشبعه حقول الجنوب.. شهية شيلوك تاجر البندقية ومرابيها بلا حدود.

مأساتنا هي أن شيلوكنا نحن ماكر ونهم, صعب المراس, زعاق الطباع وفي حوزته وثائق ومستندات رسمية تعطيه ملكية قانونية لرطل كامل من لحم كل موريتاني وبؤبؤ عينيه  ونتشة من أنفه وحلمتيه.

الهي إليك  وحدك المشتكى من غلبة الدين الشيلوكي ومن قهر الرجال ؟

لما جن الليل تطاول المد رويدا رويدا.. وأغرق الموج قصر الرمل الذي جاهدت في بناءه   أيما مجاهدة.. فأخذت أُكملُ أورادي وأتلمس المنديل وأقلبه بين يدي وأصلى ومعي مصائر أمة ضارعة تبحث  في تلهف عن الخلاص وتتوق لعتق رقابها من ديون شيلوك المستحيلة القضاء.

أدركت أن في أحزاننا لوعة امة مسالمة يعتصرها الألم فردا فردا  حتى صارت تشتاق لكل عُطيل وتشتاق لكل مكبث.. وتترقب قدوم فارس  سيفتر عنه ثغر السماء  وقد تقذفه على شواطئنا سفائن البحر أو ربما تحمله إلينا السافيات من ريح البر.

حملني الحزن في خلوتي إلى الأعالي وغرقت في النجوى حين وقفت متبتلا أصلي على النبي الخاتم  الهادي إلى الحق بالحق  الواهب أسراره للعارفين – ومن أحسن التعريض ذاك التختم – المُجتبى إلى حضرته الصالحين من أتباعه فصلوا عليه معي وختموا وسلموا تسليما.

المصدر.

Advertisements