العلامة محمد محمود ولد أحمدُّو الواثق في سطور !

1gjuNRJ
برع في مُختلف فنون العلم، من توحيد،ٍ وفقه،ٍ ونحو،ٍ وصرفٍ، وعربية،ٍ وتصوُّفٍ نقي،ٍ وطب، وحساب، وغير ذلك؛ مما لم أ ذكره لِتَحَرِّي الإيجاز غير الْمُخِل.
وقد ألف _ رحمه الله _ تآليف كثيرة في هذه الفنون، فبالرغم من قصر مدة حيـاته، ألَّف وجمع ما لا يمكن لأحد أن يجمعه في عمر مديد،وهذه حقيقة غير مبالغ فيها، وسيطلع القارئ الكريم عليها عند نشر آثاره.

فقد كان يُؤلف مسافرا ومقيما، لم يشغله التدريس عن التأليف، ولا العكس.فقد أخبرني العالم الورع القاضي: أحمدُّ بن حبيب بن الزايد _ رحمه الله _ أنه قدم عليهم عند آل ألما وهو يؤلف كتابه “الحق المبين” وقد وصل فيه إلى فصل الحيض وذلك سنة 1363هـ الموافق لسنة 1943م وهي السنة المعروفة في المنطقة بـ”عام الشدة” , حيث أخلف الغيث ما يزيد على سنتين مما سبب هلاك الأنفس والمواشي مع ندرة وجود القماش بسبب الحرب العالمية الثانية التي تستعر في تلك الفترة.

ووفاء بالجميل للوالدة الفاضلة مارية بنت محمذ فال التي كانت تعي قيمة العلم لا يفوتني أن أُنوه بالْجُهد الذي بذلته المتمثل في حفظ جزء كبير من مكتبة الوالد وتبصيري بأهمية هذه المكتبة والحفاظ على هذا التراث، فأذكر أني كنت في صباي-نتيجة لتربيتها- أستشعر أهمية الكتب والمخطوطات منها بصفة خاصة، وإن أنس لا أنس حزنها يوم أصاب المطر جزءا من أجزاء المدونة، فقضى على بعض الحواشي التي كتبها- رحمه الله- في هذا الجزء ذلك الكتاب المعروف بأهميته، وندور الحصول عليه في هذه الربوع -آنذاك- اشتراه بناقة حلوب وشيء من النقود من رجل قادم به من المغرب مرورا بآدرار، وقد قال له ذلك الرجل عندما اشتراه منه: سبحان الله اشتريت هذا الكتاب من المغرب لأبيعه في موريتانيا، فلم أجد من يسألني عنه قبلك. فأجابه – رحمه الله– : ذلك من فضل الله علينا. أقول : فلحزنها وشدة مصابها بكيت بكاء شديدا بدون أن يكون لي عقل أميز به هذه الحادثة.
كما أنوه بالجهد الذي بذله السادة الأعمام، وأخص منهم الفاضلين: محمدٍ (دَدَّ) والمختار (التَّـاهْ) ابني أحمدُّ الواثق، الأول الذي حافظ على ما بحوزته من هذه الآثار ، والثاني الذي قام باستنساخ ” الحق المبين” (شرح خليل سنة 1962م)، كذلك أشكر حامل كتاب الله السيد الفاضل :محمد (ادِّنَّ ) ابن امْبَتْ، الذي زودني بثلاثة كتب من مؤلفات الوالد، كانت بحوزته. فجزاهم الله خيرا، وغفر لنا ولهم.
كما أشكر السادة الأفاضل الذين ساعدوني في الحصول على بعض من هذه المؤلفات، مثل الفتاوى وغيرها، وأخص بالذكر العلامة محمد (الملقب اطفيل) بن محمد عبد الله بن الواثق.
والعلامة أحمد الواثق بن جدُّ ، والسيد الفاضل أحمدُّ بن البشير بن باباه. أطال الله بقاءهم، وجزى الجميع بأحسن الجزاء.
وأشكر كذلك السادة الأجلاء، الذين قاموا بتحقيق بعض هذه الآثار، وهم على التوالي:
– الأستاذ المؤرخ محمدٍ بن عبد الصمد بن محنض أحمد، الذي حاز قصب السبق في هذا المجال بتحقيقه الفتاوى ( رسالة تخرج من الجامعة سنة 1998م).
-والأستاذ العالم بن العالم السيد :الحافظ ولد العالم ولد الحسن، الذي قام بتحقيق طهارة (الحق المبين شرح خليل)، رسالة تخرج من المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية سنة 2003م. وقد تميز تحقيقه بالدقة، ولا غرو “فأهل مكة أدرى بشعابها”.
-والأستاذ الفقيه السالك بن محمد فاضل بن عبد السلام، الذي بدأ تحقيقه من حيث انتهى زميله ،من “الوقت المختار للظهر” إلى “فرائض الصلاة”، رسالة تخرج من المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية سنة 2004م.وكان مثله دقة وموضوعية.
هذا العالم جل آثاره موجودة لديَّ بخطه المتميز بالحسن والوضوح وندرة الأخطاء، وذلك من فضل الله ، فبالرغم من مضي حوالي ستين سنة على وفاة المؤلف؛ مازالت هذه التآليف مقروءة، وفي حالة شبه جيدة في أكثرها – والحمد لله-.
ـ اسمه ونسبه:
هو: محمد محمود بن أحمدو الواثق بن المختار بن أحمد المصطفى بن عبد الله بن محمدُّ “مبروك” بن أحمد بن علي (اعديجه)، المالكي التندغي.
ـ مولده:
ولد: سنة 1900م ـ 1319هـ، في موضع يسمى “عِلب النص”، في بلدية العرية، التابعة لمقاطعة وادي الناقة .
– نشأته:
نشأ وترعرع في كنف والديه، اللَّذيْن كانا على درجة لا يستهان بها من العلم، واللذيْن بذلا كل ما في وُسعهما من أجل أن يحصل أبناؤهما على أكبر حظ ممكن من العلم. فوالده -رحمه الله – مُشارك في العلوم، وكان يقرض الشعر، وكان من أهل الفضل، ويحب أهله، فقد ألزمه بمدح الشيخ محمد عبد الحي بن الصبار المجلسي، بدون أن يأخذ عنه طريقته فهو-رحمه الله-بالرغم من أن له تآليفا في التصوف- لم يتبع أي طريقة صوفية.بل اختار “الورد المحمدي” الذي واظب عليه وبايع عليه مريديه .
ودأبت والدتـه آمنة بن أحمد فال (الملقب “إبَّا بتشـديد وتغليـظ الباء) على تـدريسه القرآن الكريم، حيث كانت تحفظ القرآن، كما درسته السيرة النبوية الشريفة التي كانت من أعلم النساء بها.

فبدأ دراسته بإكمال علوم القرآن على القارئ أحمد سالم بن عبد الرحمن التاكاطي، ليرتحل بعد ذلك إلى محظرة ابن خاله العلامة المصطفى ولد اماه، الذي كان يقدره على الرغم من صغر سنه؛ لما وجد فيه من قابلية العلم وتوقد الذهن. حيث مدحه بهذه الأبيات:
لله ما حاز محمودٌ مـن السود محمد المجتـبى من كـل محمود
مُحيي المروءة، مَحوُ الكبر ديدنه ممد ماكان مـقصورا من الجود
الميم معروفه و الـحاء جامعة أسنى الحيائـين مقصور وممدود
لا غـرولاغروَإن نال العلا فله آبـاءُ ما مثـلهم يوما بموجود
مُورثُ المجد منهمْ ليس يُقصرُه عن شأوِهمْ لو تعالى نجمَ فرقود
وانتقل بعد ذلك إلى محظرة محمد عبد الرحمن بن أحمدُّ ( الشدُّ ) بن المختار.
وعبر عن همته منذ بداية نشأته في تحصيل العلم، الذي لا يشغله عنه الكسل، ولا تحصيل المال، بالأبيات التالية التي قالها أثناء مُقامه عنده :
ما للغواني عن المرجان والذهب مني تـوَدُّ وِداد اللهـو واللعـب
وما درين بأن اللهو قد عرضت مـن دونه غُرَرُ الألواح والكتب
حِرْم علي وِصال الغيد إن بـه قطع المحب عن المحبوب عن كثـب
فإن يكن أَرَبٌ للصب فيه فما لي فيه كلا ولا في الغيـد من أرب
باعِدْ بلادا بها الغيدُ الحِسانُ ثَوَتْ فالقرب منهن إبـعاد عـن الْقُرَبِ
إلى آخر الأبيات.
ثم ارتحل إلى محظرة العلامة المختار السالم بن عبد الله بن محمذ(إمَّ )بن عباس، ثم إلى محظرة العلامة حبيب بن الزايد، ثم ارتحل إلى محظرة آل ألمُاَّ، ثم إلى محظرة العلامة يحظيه بن عبد الودود، ليعود ويلقي عصا التسيار عند محظرة العلامة محمد سالم بن المختار بن ألُـمَّا، الذي أقام عنده حتى حصل على الإجازة المطلقة في جميع المسموع و المروي, وهو آنئذ في ريعان شبابه.
ونص الإجازة:
{ الحمد لله، و الصلاة والسلام على رسول الله، وبعد فقد أجزت أخانا العالم العامل محمد محمود بن أحمد الواثق، في جميع مسموعاتي ومروياتي إجازة تامة، وذلك بعد أن مارسته في التعلم والتعليم. ورأيت مع ذلك فيه فطنة للنوازل حسنة عندي. وفقنا الله وإياه لما يحبـه و يرضاه. كتبه عبد ربه محمد سالم بن المختار بن ألُـمَّا سنة 1347هـ}.
– محظرته :
فلما حصل على الإجازة، وهو في السابعة و العشرين من عمره، عاد إلى محل إقامته وجلس للتعليم. فأسس المحظرة التي ما لبثت أن أمها الطلاب من كل حدب وصوب، وينقسم الطلاب إلى قسمين : قسم يتولى الإنفاق على نفسه، وقسم “مُؤبَّدٌ” لا زاد له فظل ينفق على هذا القسم. وساعدته الظروف المتمثلة في سعة الرزق و الحال التي كانت تنعم بها أسرته.
وقد أخبرني فضيلة السيد الحافظ بن العالم بن الحسن من قبيلة “إديشـلي”، أنه أخبره والده العالم أنه كان من هذا القسم؛ فقد مكث عنده عشر سنين، وهذا ما أكده لي العم والوالد محمد عبد الرحمن بن أحمدُّ الواثق – رحمه الله تعالى- .
كما أخبرني السيد الحافظ، أنه حدثه العلامة محمد نافع بن حبيب بن الزايد، أن والده (أي العالم) لما نزل في هذه البلاد، قادما من آدرار، نزل عند العالم العلامة حبيب ابن الزايد، وأخبره أنه طالب علم لا مال عنده، فأرشده إلى أسرة أهل الواثق؛ لأنها أسرة علم ومال .
ولم تزل المحظرة في ازدياد، حتى سمي محلها بـ “زِيرِتْ محمد محمود”، وهو موضع معروف إلى حد الساعة ببلدية العرية. وقد حكى لي بعض تلاميذه، مثل فضيلة محمدُّ ولد صلاحي أطال الله بقاءه، وفضيلة أحمدُّ بن محمداَّ بن البشير رحمه الله: أن النابهين من تلاميذ المحاظر الأخرى كانوا ينتقلون إليه زرافات ووحدانا لتلقي العلم منه، مما يدل على جودة ووضوح أسلوبه في التدريس.
وقد كان رحمه الله يشغل كل وقته في التدريس و المطالعة ونقل الأحكام من بطون الكتب، لا تلهيه عن ذلك تجارة ولا بيع. وقد كان يتميز- رحمه الله – بالقدرة على المطالعة في الضوء الضعيف. حدثتني والدتي – رحمها الله – أنه كان يأخذ الكتب من خزنته وقت حضوره من صلاة الصبح، ولمَّا تتضح الرؤية بعد،كما كان يطالعها بعد صلاة المغرب، هذا في حالة عدم وجود آلة تضيء له، ناهيك بحاله إذا وجدها. ولعل ذلك هو السبب في تحصيله لهذا الموروث العلمي الهائل، بالمقارنة مع عمره القصير الذي لم يتجاوز بضعا وأربعين سنة !.
فقد اطلع _ رحمه الله _ على الكثير من الكتب الموجودة حينئذ، حيث قام بزيارات لعدة مكتبات غنية مثل مكتبة آل الشيخ سيديَّ، ومكتبة أهل العاقل، بالإضافة إلى مكتبتي آل ألُـمَّا وآل يحظيه بن عبد الودود، هذا علاوة على مجهوده الشخصي في الحصول على الكتب عن طريق الشراء و الإعارة، وقد طلب عارية تاج العروس والمصباح من فضيلة العلامة محمدُّ بن البشير بن سيدي أحمد المالكي الملقب (داداه) في الأبيات التالية:
“تاجُ العروسِ” و”مِصبَاحٌ” بوجْنَتِها قد تَيَّماني مـن تـاجٍ ومِـصباح
مِصباحُـها نَـيِّرٌ تُغـني صباحتُه عـن كـل بدْرٍ ومِصباحٍ وإصْباح
وتاجُها ـ الدهر ـ لا تـاج يقاسُ به واقٍ من الـخَطْءِ ذُو رُشد لإصلاح
أنْضـى ركابِيَّ قطْعِي البيد أطـلُبُه من كـل مِجْوالةِ الضفْريْن مِصباح
كلاهما العين ُلا تبـغي بـه بدلا بـخدِّ خـودٍ يُضيءُ الليل وضَّاح
ولا نُضارٍ بليلـى نِيـطَ تَحسبُـه نُورَ الغزالـة وضَّـاحٍ و أوضاح
لا يرْقأُ الدمعُ منها غيرَ أن نظرتْ مِـصباحَ ديْجُورِ ليلٍ ليس بالصَّاح
ترجو مُجاورةَ المْصباح مُـذْ زمنٍ دهـرًا وعـن غيْره إنسانُها صاح
كما طلب من فضيلة أحمد بن أوَّاهْ إعارة ثانية لجزء من الْبُرادعي، و الظاهر أنه سبق أن أعاره إياه وذلك في الأ شطار التالية من مشطور الرجز حيث يقول:
إبـعث إلي جزئـي بُـرادِعي إعـارةً ثـانـيةً إن تَسْطَعِ
لكيْ أصـحِّح مشاكلَ مـعِي جـزيتُم خيرًا بكلِّ مجـمَعِ
ـ مكانته العلمية: لقد كان يحظى بتقدير كبير من طرف علماء عصره، مثل شيخه العلامة محمد سالم بن المختار بن ألـما، و القاضي محمذن بن محمد فال، والقاضي الإمام ولد اشريف بن الصبَّار، و القاضي أحمد سالم بن سيد محمد، والعالم المختار بن المحبوبي، والعالم محمد بـن حِميـن، َو العالم محمد بن أبياه، والعالم سيد محمد بن داداه، والعالم الشريف محمد بن باباه، و العالم حبيب بن الزايد، و العالم محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن البشير، والعالم الشاعر المختار السالم بن علي (الغطمطم)، وغيرهم كثير.
وقد مدحه بعضهم مثل (الغطمطم) بقوله:
فروع الفقه ذللت الرقـاب لكم منها فليس لها انتقاب
و كم منها فهمت مخدرات صعابا دونها ضرب الحجاب
دعت هذا وذاك فلم يُجبها فكانت قبل فهمك لا تجاب
وشعرك شعرك المعلوم قدما قريض لا يمل ولا يعـاب
صنيـع كلـه نخـب ودر من المعنى و ألفاظ عِذاب
ومهما سد باب دون فكرٍ ففكرك لا يُسد عليه باب
كما قال أيضا يعنيه:
محمـد محمـود الفتى ماله مثل وكل ثناء فهو عـندي له أهل
حوى العلم طفلا و المحامد ناشئا أقر بذاك الطفل من كان و الكهل
ولا غـرو إن قادته للمجد همة فمن أخزم تلك الْمعالي له أصل
“فما يك من خير أتاه فـإنـما توارثه آبـاء آبـائـه قبـل
وهل ينبت الخطي إلا وشيـجُهُ وتغرس إلا في منابتها النخـل”
ومدحه العالم سيد أحمد بن اللُّوهْ المجلسي بالبيتين التاليين:
لله درك يا ابـن الواثـق النَّبِـهِ من ماجد نبهٍ من مـاجـدٍ نبـهِ
أجَدْت لا زِلتَ في خير ٍو عافيةٍ هذا الذي صُغْتَ مما قد يُضَنُّ بهِ
مآثره وكرمه
فكان – رحمه الله- كر يم السجايا لا ينثني سائله إلابنائل وذلك ما عبر عنه السيد
المصطفى بن محمذ بن المصطفى الإدكودي بالأبيات التالية:
أيا مـن له مجد أثيـل وسـؤدد غدا دون مرقاه سماك و فـرقـد
محمد محمـود ذؤابـة عصـره ومن هو للعالي من الحاج مقصد
قصدتك ذا حاج وأنت غطمطم و يسراك من يمن الغمامة أجـود
بقيت بقاء الدهر عزك شامـخ وفي مفرق الجوزا لـواؤك يعقـد
وأكده العلامة: محمد نافع بن حبيب بن الزائد، وكان تلميذا عنده، حيث يقول:
محمد محمود على كُلِّ حـادِثٍ يرد بخيل الطبع قِـدْمًا كريمـه
تولىَّ دُيوني حِين لم تُقض بعدما قضى كُل ذِي ديْنٍ فوَفَّى غريمه
وونجد كذلك العلامة محمد بن الصوفي اليعقـوبي، يشيد بمآثره في قصيدة طويلة يمدح بها الأسرة… نذكر منها ما خصه به، ومطلعها:
لمـن جمال عليهـن الرعا بيب بالدور منها العـر ا بين ُالغـرابيب
إلى أن يقول :
لكن بمدحك غُرانا جهـابـذة إن لم يكن فرض عين فهو مندوب
أعني بني الواثق المحمـود شيمـته لانكس فيهم ولا من هو معيـوب
إن جاءهم لقضاء الـحاج مختبـط قالـوا له ما لما أملـت تغـريـب
لا مالنا غـائب كـلا ولا حـرمٌ يومـا و لا أنت محرومٌ و محـروبُ
فقتم وسدتم على السادات فضلكمْ علـمٌ وحلـمٌ وإحسانٌ و تهذيـب
قضى لكم بالعلى في الناس تجريب والحـق لم يبـده إلا التجـاريـب
أعني محمد محمود المآثـر مــر فـوع المناقب إن ترفـع مناقيـب
أنسابكم فاقت الأنساب منتسبا ولم ينل منكم الأحسـاب محسـوب
إن الجواد إذا الـبرذون سابقـه عن شأوه خانه سـاق وعـرقـوب
لا يستوي في مقام الفضل منخفض وذو انتصاع على الأمداح منصوب
أعراضكم طهرت بالمجد عن عرض كـأن فـيها عبير المسك مصبوب
بيض الوجود عليهم بيض ارديتـة مـن المكـارم ما عابـوا ولا عيبوا
هـذي محـمد محمود مـزففة إليـك إن حميد الـوصف محبـوب
….إلخ
مكانته لدى السلطة:
فكان يحظى بمكانة سامية لدى الأسرة الحاكمة آنذاك، والمتمثلة في إمارة اترارزه، حيث توجد لدينا وثيقة تحمل ختم وتوقيع الأمير أحمد بن الديد. تحوي ما يلي :
إعلام من أحمد بن الديد “لكوميات” اترارزه وغيرهم، أن ما في بلد محمد محمود بن أحمد الواثق من الإبل وغيرها لا “يُفَرْصَى”، ولا يؤخذ منه شيء إلا بإذنه، ومن فعل ذلك فلا يلومن إلا نفسه. أحمد ولد الديد أمير الترارزه

أقوال العلماء فيه
توجدلدينا وثيقة مكتوبة من طرف العلامة محمد بن باباه “القناني” تنص على وجوب توليه مهنة القضاء منها:
الحمد لله وبعد، فإن محمد محمود بن أحمد الواثق يجب عليه تولي مهنة القضاء.. فيجب عليه القبول إن طُلب، والطلب إن لم يطلب، لأنه متعين عليه لعلمه وورعه …الخ
وسلم هذه الوثيقة ووضع ختمه عليها الأمير : أحمد بن الديد
كما توجد وثائق أُخرى بخط القاضي محمذن ولد محمد فال، تؤكد توليه القضاء في الجانب الغربي من ولاية اترارزه حاليا، بها توقيعه وختمه، ويسلم فيها بعض أحكامه،منها:
ـ أولا: الحمد لله، لما كان السيد الفاضل محمد محمود بن أحمد الواثق؛ متوليا كثيرا من قضايا هذا الجانب الغربي، وكان أهلا لذلك، وظهرت فيه أولويته. وكان بيت المال في هذا الزمن يصعب خروج شيء منه، صار مما ينبغي لأهل ذلك الجانب أن يفرضوا له شيئا، بحسب الأحياء في المقدرة وغيرها، وبحسب صغر الحي وعظمه .والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب
قيده محمذ بن محمد فال 28 قعدة 1362هـ(ختم قاضي المذرذرة)
ـ ثانيا: في تسليم حكم من أحكامه يقول محمذ بن محمد فال:
الحمد لله ما قيده القاضي محمد محمود بن أحمد الواثق فوق قد تأملته فإذا هو الفقه الصحيح الذي لا وراءه وراء فلذلك سلمته وألزمت العمل بمقتضاه فالزوجة الآن بائن من زوجها لتمسكها بالطلاق فوق وانقضاء عدتها والله الموفق.
محمذ بن محمد فال 12ربيع الثاني 1364هـ (ختم قاضي المذرذرة)
ـ ثالثا:في تسليم حكم آخر يقول:
الحمد لله قد تأملت الحكم فوق وسلمته وألزمت العمل بمقتضاه
محمذن بن محمد فال 28المحرم 1364هـ (ختم قاضي المذرذرة)
… إلخ.
وقد أثرت مهنة القضاء وممارسته في إنتاجاته الشعرية، حتى في الغزل والنسيب، فتمثل مصطلحاته وأسسه ومراحله. حيث يقول:
عليَّ يقضي ولم يستوفِ لي حججي قاضي الهوى لذوات الدل والغنـج
وبيناتـي صحيحات وليـس بهـا قدْحٌ ولم يك في ذا الدين من حرج
ولم يكن عنده الإعـذارُ مشترطـا في الحكم ها إنَّ ذا ناءٍ عـن الفرج
فالصلحُ خير ٌإذا كان القضاء كذا هذا القضاء قضـاء الميل و العـوج
وقال العلامة محمد سالم بن محمذ فال بن اعبيد اللَّ (أباب) من آل آبيري، منوها باتباعه الحق والعدل في أحكامه:
قضى الله من بين الورى لك بالقضا فغيظَ العِدا لما قضى الله ما قضى
فقـاموا لِما أبْرمتَ يَبْغـون نقضه فلـم يستطيعوا إنـه مُبْرمُ القضا
فلو كان غير الحكم و العدل حكمكم لما عزَّ نقْضُ الحكم يومًا ولا مضى
وقبل أن أبتعد عن مكانته العلمية والتقدير الذي كان يحظى به من طرف العلماء الأجلاء، والأفاضل من أهل عصره. أضيف هنا التزكية التالية الموجودة لدي بخط أصحابها وهم:
– العلامة محمد سالم بن ألما حيث يقول:
” الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيه وعبده، أما بعد فإن السيد العلامة محمد محمود بن أحمد الواثق لي به خبرة لما حصل بيننا من الممارسة في حال التعليم وغيره، فالذي أرانيه الله فيه أنه عالم حامل لكتاب الله تعالى، ورِع ،عارف بالله تعالى. فيجب على المسلمين رعي حقوقه الواجبة لمن هذا وصفه من تبجيل واحترام وهدية والسلام .
كتبه :محمد سالم بن المختار بن ألمُاَّ.”
– وسلم التزكية القاضي محمذن بن محمد فال بمايلي:
” الحمد لله ماكتبه محمد سالم بن المختار بن ألُـمَّا فوق، من أمر العالم الورع محمد محمود، لا يسع من نظر فيه من أهل العلم والفضل إلا امتثاله وموافقته فيما كتب. والله الموفق.
محمذ بن محمد فال 24شوال 1363هـ{ختم قاضي المذرذره }”.
– وسلم الشيخ الطالب بوي بن الشيخ سعد أبيه ما كتباه بمايلي:
” ماكتبه القاضي ومحمد سالم بن المختار بن ألُـمَّا، من أمر العالم العامل العارف بالله محمد محمود بن الواثق صحيح . ختم يحمل مايلي:{ الطالب بوي سعد أبيه الشريف-مذرذرة- مرتان}”

– تلاميذه:
أذكر من تلاميذه النابهين العلماء الأجلاء:
-محمد عبد الله بن أحمدُّ الواثق عالم جليل وأديب بارع طغت موهبته الأدبية على مواهبـه العلمية الأخرى ولدسنة(1324هـ- 1905م) توفي(22ربيع الثاني سنة 1368هـ-1949م)
-أحمد بن عبد الرؤوف بن صلاحي المالكي المعزوزي عالم جليل وأديب توفي – رحمه الله -……………….
-اكليكم بن محمدُّ بن حبيب بن لمرابط بن متالي عالم جليل ذو مكانة اجتماعية لم يحصل عليها غيره
وقد أخبرني رحمه الله أنه قرأ عليه عدة فنون من بينها علم الفرائض الذي ما زال يستوعبه حتى الآن وكان هذا الكلام سنة 2000م مما يوحي بقوة ذاكرة هذا العالم.
(توفي رحمه الله في شهر ذي القعدة سنة 1423هـ موافق يناير سنة 2004م)
-محمد نافع بن حبيب بن الزايد عالم جليل وشاعر مجيد(توفي -رحمه الله -سنة 1415هـ – 1995م)
-العالم بن الحسن إبراهيم بن امحيحم لازمه عشر سنوات، ثم انتقل إلى آدرار ، ثم جلس للتدريس، توفي –رحمه الله-1993م.
– اجاه بن ابوه اليعقوبي وهو عالم جليل وشيخ محظرة”تنيا فيل”( توفي –رحمه الله –سنة:1996م)
– الشيخ سيداحمد بن أحمد يحي اليعقوبي شيخ محظرة ” تندغيدسات” عالم جليل تخرج على يده الكثير من العلماء، أطال الله بقاءه على أحسن حال.
– العالم الورع:أحمدُّ بن محمدَّا بن البشير المالكي (توفي جمادى الآخرة سنة 1420هـ-سبتمبر 1999م)
– أحمدُّ بن ا بَّاه بن امِّيهْ بن اباه المالكي عالم جليل حامل كتاب الله ( تو في حوالي سنة1965م)
– العالم والأديب محمدُّ بن محمذ فال بن صلاحي أطال بقاءه على أحسن حال.
وهؤلاء من أبرز تلاميذه وغيرهم لم يتسع الوقت لذكر أسمائهم وأرجو أن أوفق لاستقصاء حياتهم مستقبَلا.
– آثاره
مؤلفاته ـ رحمه الله ـ أكثر من أن تحصى، فبعضها ضاع ولم يبق إلا اسمه، والبعض الآخر ما زال -و لله الحمد- محفوظا لدينا بخطه رحمه الله تعالى. منها:
التوحيد:
– له تآليف وأنظام في التوحيد
القواعد و الأصول:
– شرح لا ميـة الزقاق
الفـقه
– شرح مختصر خليل بن إسحاق المالكي سماه (الحق المبين):
وفيما يلي (مقدمته) لهذا الشرح:
“الحمد لله حق حمده، و الصلاة و السلام على خير خلقه وآله وصحبه.
أما بعد، فاعلم أيها الحريص المقبل على اقتباس العلم، المظهر من نفسه صدق الرغبة وفرط التعطش إليه، أنك إن كنت تقصد بطلبه المنافسة والمباهاة والتقدم على الأقران واستمالة وجوه الناس إليك وجمع حطام الدنيا؛ فأنت ساع في هدم دينك وهلك نفسك وبيع آخرتك بدنياك. فصفقتك خاسرة و تجارتك بائرة و معلمك معين لك على عصيانك وشريكك في خسرانك.
و إن كانت نيتك بطلبه الهداية دون مجرد الرواية، فأبشر فإن الملائكة تبسط لك أجنحتها إذا مشيت، وحيتان البحر تستغفر لك إذا سعيت.
هذا، ولما رأيت مختصر الشيخ خليل مع ما انطوى عليه من المهمات وكشف الملمات، صار بين القوم نسيا منسيا، أردت أن أعلق عليه ما يعين على تقرير معناه، مقتصرا على ما يفتح مقفله، ويوضح مشكله، وربما اخترت لذلك من شروحه أو جزهم عبارة و أوضحهم دلالة. ولقد شرحه قبلي وحشاه شارحون ومحشون محققون محقون، ولا مطمع لي في شق غبارهم، بل ولا في اقتفاء آثارهم.
ولكن البلاد إذا اقشعرت ْ وصوَّح نبتها رعي الهشيم
فهم السلف المقتفى، والخلف المصطفى. قد بذلوا فيه أجهادهم، وأنفدوا فيه مدادهم، وتبددت تآليفهم، وشروحهم، وحواشيهم. وكان تحرير ما اجتمعت عليه كلمتهم مما يصعب اليوم، لكثرة تشعب دواوينهم، وعدم التأهل لفهم مقاصدهم ومنازعهم. وصار مما يحتاج له اليوم تعليق يعلق عليه يعين المعلم والمتعلم، صغير الحجم، كثير العلم، لم يكن طويلا مملا، ولا قصيرا مخلا. فيسر الله لي مرادي، وعليه اعتمادي.
ويتميز هذا المجموع بحل ما عقدوه، وكشف ما أجملوه، وترتيب ما بددوه، ونظم ما فرقوه، و إيجاز ما طولوه، وحذف ما كرروه، و إثبات ما حرروه.
و إياك -أيها الناظر فيه- أن يخدعنك الشيطان، فيقول لك هذا تأليف جديد، وصاحبه بليد. فيحملك ذلك على تحاشيه، أو الطعن على ما فيه، من غير تثبت. فتأمله فما وجدته من عندياتي، و بنات فكري، فاضرب به الحائط. وأما غيره فإن ظهرت لك صوابيته؛ فقد كفيتك مؤنة مراجعته في أصوله، وإن لم تظهر لك فالعهدة على المنقول عنه، لا عليَّ. ومن عثر على خطأ فيه فليصلحه جانبا، بعد تأمل المرسوم، ولا يعجل بالعتب و اللوم. فقد قيل:
وكم من عائب قولا صحيحا وآفتـه من الفهم السقيـم
ولعمري لقد جمع هذا الكتاب ما لا يكاد يرى في المطولات، أو يستفاد من الأمهات. فهو كفيل بالمطالب، زعيم بالمآرب، لا يطعن فيه إلا حاسد، ولا يصد عنه إلا معاند. وقد علمت أن المعاصرة مما يمنع المناصرة، ولكن الحق حق؛ و إن ابتُدِرَ بالإنكار، والبدر بدر؛ و إن خفي عن الأبصار.
وأسأل الله تعالى أن ينفع به، كما نفع بأصله. و أسأله سعادة الدارين، وكفاية همهما لمن اهتم بشيء من أمره، و أن ينظر بعين الرضى و القبول.
وسبب اهتمامي بهذا التعليق، أن طلب مني بعض الإخوان مختصرا كأصله، لقصور همم أهل هذا الزمان، فبدا لي بعد تأن أن من الرأي أن أمتثل أمره. وسميته “الحق المبين” (….) وهذا أوان الشروع في المقصود، و إنجاز الموعود..فأقول و على الله أتوكل:…”
إلى أن يقول عند انتهاء هذا التأليف عند قول خليل (فلا إشكال) : لأن العلامة المنفردة تبين أمره، فإن لم يوجد ما يبين أمره مما ذكر فمشكل هـ.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.نجزه كاتبه وجامعه، الذليل الحقير، الغبي الفقير إلى فضل ربه القدير محمد محمود بن أحمد الواثق بن المختار الملقب (تفرنت)بن أحمد المصطفى بن عبد الله بن مبروك بن أحمد بن علي الملقب (اعديج) المالكي نسبا ومذهبا، كان الله لهم، ولجميع المسلمين وليا ونصيرا، وأسعدهم بنور الأماني في الدنيا ودار التهاني.
وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه، وموجبا لقربه، وأن ينفع به كما نفع بأصله. إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. وكان الفراغ من تبييضه ضحوة يوم الأحد السابع والعشرين من رمضان سنة خمس وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة.
وفيما يلي أورد تعليقا للعلامة المختار بن المحبوبي على شرحه لطهارة خليل:
“نظرت، ولله الحمد، تعليق السيد محمد محمود بن الواثق، الذي جعل على طهارة خليل،فلم أجد فيه بديهة إلا ما هو الأحسن والأولى ، فهو بين درع ومِجْوَلٍ، غير طويل مملٍ، ولا قصير مخلٍ. كتبه المختار ابن المحبوبي”
2_ مجموعة من الفتاوى، تناهز نحو (300) قابلة للزيادة.
• التصوف:
له ثلاثة تآليف و أنظام في التصوف هي:
أ-تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي
ب _ ترتيب السلوك إلى مالك الملوك.
ج- تحرير القول في الحضرات
• الطب:
له تأليف في الطب يذكر فيه بعض الأمراض وأعراضها وعلاجها.
• الحساب
له رسالة في الحساب.
• الشعر:
له ديوان شعر ضخم يشمل جميع أغراض الشعر المطروقة آنداك
وهذه الآثار ذكر بعضها كل من:
– العلامة المؤرخ الأستاذ المختار ولد حامدٌ في موسوعته: حياة موريتانيا في: الحياة الثقافية، والحياة الجغرافية، وغيرها.
العلامة الدكتور محمد المختار بن اباه في كتابيه:
دراسات في تاريخ التشريع الإسلامي في موريتانيا:الصفحة رقم:121/في قائمة المؤلفين الموريتانيين ذكرلـه
طرة على منهج الزقاق في القواعد.
والأستاذ: الخليل النحوي في كتابه المنارة والرباط جيث ذكرلـه مايلي:
أنظام في الفقه وأجوبة فيه مدونة.
تعليق على الطيبية(الجوهر لأبن طيب)
تعليق على الأ لفية(النحو)
تعليق على مختصر خليل(الفقه)
طرة على منهج الزقاق( القواعد)- انظ الصفحة رقم:596
وفاته:
وافاه الأجل المحتوم ليلة الاثنين بعد صلاة العشاء 15 ربيع الثاني سنة 1368 هـ ـ1947م وقد توفي قبل وفاة أخيه العالم الشاعر محمد عبد الله بن الواثق بأسبوع واحد حيث أرخ لوفاتيهما العالم المختار ابن المحبوبي بقوله بعد ذكره للتاريخ وهو “صح” أي 68
وفيه أيضا كان موت ابنين لأحمد الواثق مرضيين
بالعلم و الأشعار قد تقلدا وكان مالك لذين محتدا
كما أرخ لذلك العلامة نافع ابن حبيب ابن الزايد بعد ذكره لوفاة محمد بن أبياه الذي توفي مع محمد عبد الله في نفس اليوم حيث يقول
شرق حين العيلم بن العيلم سليل ابياه حلق القلم
يوم الثلاثا من ربيع الثاني والموت ماليَدِه من ثان
وبابني الواثق فيه بلغا ما بلغ الحزن بأقصى تندغا
ففي العلوم أبديا العجابا وكشفا عن سرها الحجابا
فرثاهما الشيخ أحمد بن الشيخ محمدُّ بن حبيب الرحمن:
والدهر إن سالم يوما فلا تكن بسلم منه بالواثق
إن ابنى الواثق قد ودعا وبهما علما وتقوى ثق
إن كان موت العلما ثلمة فثلمة موت ابني الواثق
كما رثاه العلامة المختار السالم بن علي(الغطمطم) بقصيدة رثى فيها أهل مقبرة “القتادة” ، وهي:
عنـد “القتـادة” أعـلام ورايـات منا عليها مـدى الدنيـا تحيـات
تنفك ما طلعت شمس تجـددهــا طول الزمان الغدايا و العشـيات
وأنفس طيبات من لـدن خلقــت إلى الممـات تقيـات نقيــات
لا ينتهي من خصال الخير ما جمعـت وبـالعهـود وفيـات سنيـات
كم قيد خير بهـا للمسلمين وكـم شرٍّ بها كف و انزاحت غوايـات
وكم لأرباب طيات بـها قضـيت طياتها قبـل مـا شـدت مطيات
بالعلم و الحلم والقرآن قد حليـت منها الروايات صحت والدرايـات
و لم تصاحب جهولا فـي عمايتـه إلا انجلت عنه في الحين العمايـات
هاتيك أنفـس قوم كلهـم نـدس عالٍ من الله قادتـه العنـايـات
حول القتادة أضحى فـي مضاجعها فقـه ونحـو وأخبـار و آيـات
ومنطـق وبيـان والأصـول و عـن طه الحديث وعن صحبٍ حكايات
والحكـم إن حاد عـن نص نـوازله ثَم الخفيـات منها و الجليـات
والعلم والدين والقوى بهـا وبهـا عند المعاياة في العلم المعايـاة
والشعر أصبح مرموسا بجـانبهـا عن نجبه حولها تلقـى الوليـات
مثل البليات لا تملى القيـود لهـا ولا تلاقي الحصى منها العجايات
هذه قواف و هذه حـولها قطـع مثل الجمان وحول الكل أبيـات
شعر عن الطبع آت من يعارضـه جلت على نفسه منه الجنـايـات
لا تستطيع له الأعـدا معارضـة هل بالزواخر تنقـاس الأضيـات
وهل يحاكي السها البدر المنير وهل كـلاحب واضح الـمتن البنيات
لإن رزئنا وسر الشامتـون فهـل تثنى المصائب عنهم و الرزيـات
لا عار في الموت إن الموت غاية ما حلته روح وللأرواح غايـات
يارحمة الله أمي حيث ما دفنـت تلك النفوس السنيات التقيات
وأدخليها جنانا مـن مصورنـا من كل ما يختشى منه وقايات
صلى الإله على المختار من مضر من به البدايات صحت والنهايات
ورثاه العالم والأديب :محمدٍ بن العالم الذي يرثي أهل “القتادة” وهو من ضمنهم بالقصيدة التالية
خطـب لعمـرك قـد ألم عُظام ظُلُماتـه لا تنجلـي مِظـلام
فالشمس لابسـةُ الـحدادِ لهولهِ والليلُ أليـلُ و النهارُ ظـلامُ
والجوُّ أكلفُ والسمـا مغتمَّـة مغْبرة قـد عمَّهـا إظـلام
والأرض ترْجفُ والرياحُ تناوحتْ والخطب طمَّ وطاشتِ الأحْلام
عم البريةَ كلَّهـا حتى اسْتـوى لَخْمُ الورى في رُزئـه وجُـذام
واحسرتي ذهبَ الذَّين يقـال في أظلالهـم والأجبـل الأعلام
فالعين بعدهم كـأن حداقهـا سمـلت بشـوك أو بهن كلام
أودى الهداة المرشدون لغيرهـم اَلراشـدون الـجلة الأعـلام
اَلكاشفون لكل خطب معضـل والمعتلـون إذا يكـون خصام
اَلقاذفون علـى رُؤوس أباطـلٍ بالحق حـتى يُستطـار الـهَام
يَتمَ اتباعُ المصطفى من بعدهـمْ وكذا المساجدُ بعدهـمُ أيْتَـام
والكتْبُ و الألواحُ و القرآنُ والْـ ـإحْسانُ و الإيمانُ و الإسـلام
ياعُصبةً نحوَ المنـونِ تسـارعـوا لا غبَّكـم من ربكـم إكـرام
أودى الْخِضَـمُّ أخُو العلوم محمدٌ محمودُ سـيرةالفـتى الْمِكـرام
قاضي القضاة مُــبَرِّزٌ أقـرانَـه مُفتي الأنـامِ الفيصـلُ العـلام
أودى الشِّحَاكُ لكل خصمٍ مُبطلٍ أودى الحْسامُ الصارمُ الصّمْصَامُ
أودى الْمُجِرُّ لكل خصمٍ ضمَّـه معْهُ النَّدِيُّ الضَّيْغَمُ الضِّـرْغَـامُ
شمسُ الهدى غيظ العدا من لا تفي بخصـاله الأنقـاس و الأقـلام
وَقَفَ العِبادَ على حَقائق ما بـه تُستَـرجَـعُ الأوقافُ لما قَامُوا
ما زَالَ يصْدع بالفتاوى مُرشدا ومُخَطِّئـًا من نَبهُوهُ ونـامـوا
لم يثنهِ حدُّ العـوالي شُـرَّعا عـن عَزْمه و لوَ انهنَّ سِـمام
متأبِّطـًا مستبْطـنا أحكامَهـا لم تَثنـه الأحكـام والحكـام
مـازال يأزُره الشقيقُ و تقتفي أقـدامَه في سـيره الأقـدام
حـتى غدا مستوليا منها علـى أمَـدِ الغِلاب له أتيح حِـمام
حصن منيع من أوى لجـنابـه أ وجنب جانبه فليـس يُضـام
ضَن الزمان بمشبهيه وليس فـي ضِنِّ الزمان بمشبهيـه مَــلام
لم تسمح الأيـامُ قبـلُ بمثلـه وبمثـله لـن تسمـحَ الأيـام

أودى الإمام أخو العدالة و التقى بُـلاَّ فخالَطنا لـذاك سَقـام
أودى الذي شَهِدَ الأنامُ بفضله غَصَّ الحجازُ بصيته و الشَّـام
خابتْ مساعي من يُحاولُ شأوه إن الـذين تطلَّبـوه ألامـوا
هيهـات تأبى سيرة وسريـرة وتحـوُّب لا ينتهـي وصيـام
يأبى الوضوءُ على المكاره سحرة من بعد ما أغضى الجفونَ منام
أودى أَبَـاهُ من غـذتْه كرائمٌ بنـميِر كـل فضيـلة وكِرام
أودى المـرتل للقـرآن محمـد عبدُ الإلـه المفـلقُ الْمِجْـذام
أودى المفوَّه ذو البلاغة من غدا كلمـاتُه تُـجْلى بـها الأقوام
يُبدي الْعُجاب بنثـره وبنظمِـه يَفـري الفريَّ إذا يكون نِظام
كم من أخي ثقةٍ بما في صـدره قد أبعداهُ: الشعر و الأحكـام
و إذا يُناضل لا تطيشُ سهامـه أنَّـى تطيـشُ ونزعُه أعـوام
أودى الفتى خُويَ ابن عبدِ مَجادَةٍ عبـدِ المجيـد فيومنـا أيـام
ولقد أقام ولن يــزالَ لموتـه داءٌ لعمـري في الضلوع عُقام
يا مُظهريـن شماتـةً بمِصابنـا أفَلِلْبَقَـاء خلقتــمُ أقـوام
كلا فليس سوى الإلـه بخالـد والموت أشرافَ الورى يعتـام
والموتُ أعدادُ النفـوس وإنـهُ آتٍ ولـو لـم تُبْـدهِ أحْلام
من أخْطأتْهُ سِهامه فله غـدًا من ريشِ ناهضةٍ تُراشُ سِهام
“ليس الكريم على القنى بمحرم” و الموت ليس به لعمـرك ذَام
والسقْمُ يأْلفُ كلَّ حيٍ واعلموا أن الردى من جُنده الأسْقـام
ذهب الإمـامُ محمـدٌ ونَجِيُّـه أفبعـدَ ذا للشـامتين كـلام
يا حبذا تلك القبـورُ وحبـذا رُجَمٌ عليهـا فوقهـن رِجـام
ياحبذا تلك الْعِظامُ وحبذا الْـ ـأخلاقُ و الأرواحُ والأجسامُ
إني لأرجو أن تَسدَّ مكانَـهم أشبالُهـم و الفِتيـةُ الأعْمـام
فعلى القبور قُبورِهم من ربهم ما أنَّ نجـم في السماء سـلام
و إلى هنا أصل إلى نهاية ما تيسر لي جمعه من هذه الترجمة و أعد القارئ الكريم بأني سأضيف –بإذن الله-كل ما توصلت إليه مما يدعم ويكمل هذه الترجمة لتكون صورة مجسمة لهذا العالم الجليل.
ولا يفوتني هنا أن أعتذر لأولي الشأن عن التطفل عليهم في هذا المجال.
والله ولي التوفيق
محمد بن محمد محمود بن أحمد الواثق
2ربيع الأول 1427هـ ـ1ابريل2006م

المصدر

Advertisements

مصالح اللصوص

محمد المختار ولد احمين اعمر

لقد تابعت وبأسف بالغ تصريحات السيد وزير الإتصال والعلاقات مع البرلمان حول جريمة تدنيس المصحف الشريف، وقد لاحظت أن السيد الوزير الناطق الرسمي بإسم الحكومة تعامل مع هذه الحادثة الشنيعة بإستخفاف لافت وكأنها حدث سياسي عابر، يجب القفز عليه كغيره لينجلي في مطبات الأمن والمعارضة والحريات.

كما تناول السيد الوزير قضية الشاب المغفور له بأسلوب لغوي خال تماما من الإنسانية والشفقة ونسي أنه يتحدث بإسم حكومة قتلت إنسانا وأنه في الوقت ذاته يخاطب بيت عزاء. ثم في خرجة أخرى يتطاول على حزب اتحاد قوى التقدم، ذلك الحزب العريق صاحب السجل الذهبي المتميز والمشهود له بالمقاومة والنضال عبر تاريخ موريتانيا منذ الإستقلال وقبله. ولاشك أن الوزير ومن يدور في فلكه وبعض العامة سيتحاملون على ولد احمين اعمر، تلك الشخصية من منظورهم المثيرة للجدل، صاحبة الرقم القياسي في الترحال السياسي، بل وأكثر من ذلك نعوت أخرى. وقبل هذا وذاك ولإزالة اللبس فإنني أعترف وليست معرة أن يقول المرء الحق ولو على نفسه.

إنني بعد مضي سنة من النضال المستميت وحمل شعار الرحيل، إكتشفت أن المعارضة بجميع أطيافها وألوانها لم تجد بدا من المطالبة بالرحيل، طبقا للسان الحال وتماشيا مع الربيع العربي، لكنها عكسا للثورات الأخرى، حاولت إنجاز حلم لا يمكن أن يتحقق إلا بدفع الثمن من الجسم والوقت والجيب والوظيفة، وهو مستوى التضحية الذي لم تصل إليه المعارضة، إما حرصا منها على السلم الأهلي أو خوفا من دفع الثمن المذكور. حينها قررت بعد مبادرة مسعود ولد بلخير، التقدم بمبادرة من خمس نقاط، وقابلت رئيس الجمهورية عدة مرات، كانت أولاها أقساها وعندما خرجت من تلك المقابلة في يونيو 2012، صارحت الجميع عبر بيان كان عنوانه: “ولد عبد العزيز لا يحاور ولا يناور”، وإختتمته بالقول: “إنني أحمد الله على السلامة” بعد خروجي من المكتب.

رفض السيد الرئيس إشراك المعارضة في اللجنة المستقلة ومراقبة الوثائق المؤمنة والحكومة الإنتقالية، وضرب بعرض الحائط كافة المقترحات، وصدقت إلى حد الآن حينما قلت سابقا أن ولد عبد العزيز لا يحاور ولا يناور.

في المقابلة الثانية وافيت الرأي العام بالنتيجة، وكان من أبرز ما دار بيننا مما هو قابل للنشر في تلك الآونة سؤاله الشهير: “لماذا تقول أنني حمار”؟ في هذه الفترة جمدت نشاطي في حزب اتحاد قوى التقدم، الذي لم أستقل منه وقررت هدنة مع النظام، فرضت علي لسببين اثنين:

1 – كوني عمدة منوط بحقوق كثيرين وأصبحت مصدر حرمان لهم، بسبب مواقفي السياسية التي حاسبهم النظام من خلالها إلى درجة أن بلدية أوجفت مورس ضدها العقاب الجماعي في كافة أوجه التنمية.

2 – كوني أنتمي إلى مجموعة أهلية إكتوت هي الأخرى بنار مواقفي ومارست علي ضغوطات هائلة، ليس للعدول عن مواقفي، بل لكون النظام أعتبر أن كافة مواقف ولد احمين اعمر، التي يصفها بالمتطرفة قد تكون ممولة ومنظمة وممنهجة من طرف جماعة رجال اعمال اسماسيد. وبالفعل قد دفع هؤلاء أثمانا باهظة بعد سجنهم، وبعد إطلاق سراحهم. وهنا أي منا ليس مطالب شرعا بصيانة عرضه وماله؟ وكذلك عرض ذويه ومالهم؟.

نعم، جرى تذبذب على المواقف وربما ترحال لكن كم تفرع من الحركات والأحزاب من “FDUC” ومن “RFD” ومن بعدهم كم عدد أولاد وبنات الحزب الجمهوري اليوم وفي التاريخ القريب كي لا تخون الذاكرة النخبة كعادتها، ألم يلد حزب الاتحاد من أجل الجمهورية حراكا وكرامة وتنمية في أقل من أسبوع؟ ثم من حطم الرقم القياسي في الترحال الحزبي والعسكري؟.

إن وزير الإتصال والعلاقات مع البرلمان كان شيوعيا قبل أن يكون إخوانيا وقبل أن يصبح برزخيا. إنتمى مع آخرين كثر إلى حزب التجمع ثم الحزب الجمهوري ثم الحزب الجمهوري المعدل ثم “عادل”، ثم حزب الإتحاد من أجل الجمهورية؟.

وفي هذا السياق وعلى ذكر الترحال العسكري، تخللت كافة مقابلاتي مع السيد رئيس الجمهورية محطات ملفتة وقد يقول قائل من خلال نشر مقتطفات من المقابلات التي نشرت مؤخرا، أن فحوى ما قيل يوحي بتقربي للنظام. لكن الحقيقة أنني تطرقت فقط لوجهة نظر السيد الرئيس حول المال والأعمال والقبيلة والفساد من منظوره هو. مع أن كافة الحوارات جرت وأنا عضو فاعل بل شخصية وازنة في حزب اتحاد قوى التقدم، ليتسنى للقارئ أن الحوار قد يكون حميمي حتى بين طرفين يكون أحدهما يريد بريدا لبث الرسائل ويكون الآخر يريد إكتشاف ما وراء الخبر.

وتكملة لما ورد في حديث جرى بيني مع الرجل قال:

“دخلت على معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع وكنت أحمل تظلما من السيدة الأولى، لأنها دأبت على إعطاء الأوامر لجنودي مباشرة ودون علمي، ولما تكررت الممارسة، أبلغتها وطلبت منها الكف عن التعاطي مع هؤلاء دون علم قيادتهم”. وكان الجواب مسيئا إلى درجة الإهانة، حينها أصدرت أوامر للحرس برفض طلبات السيدة الأولى ورفض التجاوب معها، إلا بواسطة القيادة. منذ ذلك التاريخ، بدأت الأزمة الصامتة وتجلت مباشرة في التعاطي اليومي بين الأفراد وسرعان ما لاحظت أن وجودي في القصر أصبح مزعجا بل وأكثر من ذلك غير مرغوب فيه. وبعد مدة قصيرة تقدمت بطلب يتعلق بالمعاشات ومر بسلمه الإداري العادي، لكنه تعطل أمام تأشيرة السيد الرئيس. فتركت الطلب يأخذ مجراه دون متابعة، حتى تأكدت أن الأمر لم يعد طبيعيا، فطالبت بمقابلة السيد الرئيس، وبعد فترة سمح لي بذلك.

دخلت على الرجل في الصباح الباكر، وأديت التحية كالعادة ليستمر هو في قراءة ملفات معروضة أمامه، دون الإشارة إلي بالجلوس.، إنه أسلوب تأديبي مألوف، لكنه ممزوج بالإزدراء والإحتقار. وبعد دقائق رفع وجهه وأمرني بالجلوس، وقال: “تفضل” فقلت لسيادته أنني جئت لمتابعة الطلب، وكذلك في أمور أخرى تتعلق بأسلوب السيدة الأولى في التعاطي مع الحرس الرئاسي، ولم يمنحوني فرصة إكمال الحجة حتى نهرني قائلا: “كف عن تلك الترهات”، وأتبع ذلك مباشرة برفع كومة من الأوراق، ليخرج من تحتها الطلب، وبدلا من مد يده بالورقة وضعها على المكتب ورفعها بأصابعه حتى سقطت عند قدمي، وعاد مرة أخرى للنظر في الملفات.، وقفت عن المقعد وفي ثواني معدودات راودتني الفكرة أن أخرج وأترك الطلب ملقى في مكانه، لكن هاجس التربية العسكرية منعني. فانحنيت وأخذت الطلب وأديت التحية وخرجت، لكنني قبل الوصول إلى باب المكتب، اتخذت قرارا في نفسي وبلا رجعة وأقسمت أن أضع قدمي على “أذينتو” –حسب تعبيره- هناك.” وأشار بأصابعه إلى الجانب الشمالي من المكتب، قائلا: “سأرغمه على أكل “الوركة” – وهو الشاي الأخضر الذي يعطى للماشية بعد غليه -. لم أرتح لهذه العبارات خاصة أن معاوية ولد سيد احمد ولد الطايع إبن عمي، وهو رئيس جمهورية حينها. وسرعان ما تذكرت قضية الوزير الأول يحيى ولد أحمد الوقف عندما قال محمد ولد عبد العزيز أنه سيرغمه على أكل ذلك الأرز المنتهي الصلاحية. واستمر السيد الرئيس في الحديث ليستنج مايلي:

“هل من المعقول أو المقبول أن أضحي بنفسي وبمستقبلي وبأسرتي وأنجز إنقلابا من ألفه إلى يائه، كي أترك قيادة البلد لاعل ولد محمد فال أو سيدي ولد الشيخ عبد الله، ذلك العجوز الذي أجلسته على الكرسي وبكافة السبل ليستيقظ يوما وبجرة قلم يقيلني ويقيل جميع الضباط السامين في البلد؟. هل تعلم أن هذا الرجل الذي أسندت إليه قيادة البلد لضيق صدره قد حرر شكوى وختمها بختم رئاسة الجمهورية وأرسلها لوزارة العدل؟ بسبب أن شابا يدعى ولد صيبوط صحفي أخرج كاريكاتير يلبسه فيه زي نسائي سفلي، أم تعتقد يا ولد احمين اعمر أنني لما أزحت ولد الطايع واعل ولد محمد فال وسيدي ولد الشيخ عبد الله، سأسلم القيادة لحفنة العجزة الذين يقودون المعارضة حاليا؟، لن أسمح لأي منهم، بأن يصل إلى كرسي الرئاسة، ما داموا ينتهجون أسلوب الرحيل والشغب والفوضى”.

ويستخلص مما سبق، أن الإنقلاب الأول على معاوية ولد سيد احمد ولد الطايع لم يكن بدافع الغيرة على الوطن، وإنما هو ردة فعل على ما جرى فقط، ولم يكن الإنقلاب الثاني على سيدي ولد الشيخ عبد الله سوى ردة فعل أخرى بسبب الإقالة. ولم يكن بيان المجلس العسكري منسجم مع الأسباب كما لم يكن بيان المجلس الأعلى للدولة الثاني مطابقا للحقيقة، مع أن الانقلابين حدثا ونجحا ووجدا كفاية من الدعم على مستوى النخب والشارع والمنظومة الدولية.

تم إبعاد معاوية ولد سيد احمد ولد الطايع وتهميش اعل ولد محمد فال، وإزالة سيدي ولد الشيخ عبد الله وتهجير محمد ولد بوعماتو وعبد القدوس ولد اعبيدن والمصطفى ولد الإمام الشافعي، وكأن النظام يطارد كل من تسول له نفسه الطموح في الترشح للإنتخابات الرئاسية من أمثال: محمد الحسن ولد الددو، أحمد ولد حمزة، ومحمد سالم ولد مرزوك، وأحمد سالم ولد بوحبيني، بيرام ولد اعبيدي وأخيرا أنا.

دشنت قناة المحظرة يوم الأحد الموافق 2-3-2014، واختتم منتدى المعارضة مساء الأحد الموافق 2-3-2014 وحدثت جريمة تدنيس المصحف الشريف يوم الأحد الموافق 2-3-2014، إحتلت أخبار منتدى المعارضة مكان الصدارة في كل الصحف والمواقع الألكترونية والتلفزات والإذاعات الحرة، بينما إحتل تدشين قناة المحظرة مكان الصدارة في وسائل الإعلام الرسمية، وفي صبيحة الإثنين إختفت جل العناوين المتعلقة بالمنتدى، لتحل محلها أخبار الحدث الأعظم.

وفي مقارنة بسيطة مع تعاطي رئيس الجمهورية مع الحدث، ووزير الإتصال والعلاقات مع البرلمان الناطق الرسمي بإسم الحكومة، لابد أن ينتابنا الشك حول ملابسات الحادثة، نظرا لما كان يناسبها من ردود فعل رسمية عاجلة وصارمة، ومن هنا يجب على المعارضة بكافة أطيافها أن تمحوا من ذاكرتها فكرة الحوار أو التشاور أو التفاهم، ما دام ولد عبد العزيز قد أكد أن أيا من قادتها لن يسمح له بالوصول إلى كرسي الرئاسة. وعليها أيضا أن لا تستبعد أية ممارسة من طرف النظام ولو مخلة قد تؤدي إلى حرمانها وإبعادها ومطاردة كل من له طموح في الوصول إلى الكرسي.

وأسأل الله السلامة لكوني مترشح إن شاء الله في الإنتخابات الرئاسية المرتقبة.

الساحة إنفو

ائتلاف النقابات الطلابية – العريضة المطلبية

I. المطالب التربوية و الأكاديمية
II. الخدمات الجامعية
III. الحريات النقابية

i. الجانب التربوي و الأكاديمي:
انطلاقا من عدم تطبيق متطلبات نظام الليسانس الماستر الدكتوراه، و اضطراب النظام المدمج لقواعد بيانات الجامعات، ونقص خبرات العمال الإداريين والفنيين الذين يجازفون رغم نقص خبراتهم لمواكبة الطلبة في مسارهم، فإن اتحاد النقابات يحث الإدارة الجامعية على احترام متطلبات نظام الليسانس الماستر والدكتوراه، واقتناء نظام مدمج لتسيير البيانات الموائمة لروح نظام الليسانس الماستر والدكتوراه وبتكوين جيد ومهني للعمال المكلفين لكي يستطيعوا التعامل مع هذه الأداة.
انطلاقا من أن من واجب وزارة التعليم العالي هو توفير تكوين أفضل للطلبة، و من أن الطالب يستحق تكوينا نوعيا جديرا بهذا الإسم، فإن اتحاد النقابات يشجب لامبالاة السلطات المختصة بالنسبة للنقص الملحوظ في عدد المدرسين في كافة الكليات كما يعرض كل اكتتاب أجوف لمدرسين غير مؤهلين وليست لديهم الكفاءة أو يمارسون التدريس في غير اختصاصاتهم داخل كل مسلك من مسالك الكليات. أضف إلى ذلك يدعو اتحاد النقابات الإدارة الجامعية ووزارة التعليم العالي بشكل فوري إلى القيام باكتتاب سريع لعدد كافي من المدرين المؤهلين بدون تمييز بين المسالك. ومن ناحية أخرى يرفض اتحاد النقابات أيضا تكليف مدرس واحد بمسؤولية تدريس عدة مواد في فصل واحد.
انطلاقا من كون أغلب الشهادات الدراسية في موريتانيا تمنح بتقدير مقبول، ومن أن معدل 11 هو المتوسط الأكثر حيازة في كليتي الآداب والعلوم الإنسانية وكلية العلوم القانونية والاقتصادية، فإن اتحاد النقابات يقف ضد إرادة وقرار السلطات المعنية بإلزام المترشحين للماستر في هاتين الكليتين على معدل (12: تقدير جيد جدا) الذي لا يوجد عمليا، ويفرض قبول معدل 11 أي المعدل الأقصى الأكثر شيوعا في جامعة نواكشوط.
نظرا إلى غلاء رسوم التسجيل السنوية في المعهد الجامعي والمهني (IUP) التي تبلغ 15000 أوقية، يطالب اتحاد النقابات بخفض هذه الرسوم إلى 600 أوقية.
نظرا إلى أن المنهجية الحالية لتوجيه الحاصلين على شهادة الباكلوريا فارغة المعنى ومبهمة حيث أنه يطلب من الطالب اختيار كافة الشعب ثم يتم التوجيه على نحو خاطئ في غالب الأحيان، فإن اتحاد النقابات يفرض إنشاء خلية استماع واستشارة وتوجيه للحاصلين على الباكلوريا.
تأسيسا على أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لا تقدم منحا للمتفوقين في الدفعات الذين تجاوزت أعمارهم 25 سنة، فإن اتحاد النقابات يفرض من نفس الوزارة تقديم المنحة للطالبة أو الطالب التي أو الذي يتابع وحده الدراسة والذي لا يتوفر فيه شرط العمر المفترض.
بناء على سيادة التلاعب والطرق الملتوية بالنسبة لمنح الوكالة المغربية للتعاون الدولي، فإن اتحاد النقابات يرفض الانتقاء السري والعنصري والتمييزي لوزارة التعليم العاليب ويفرض تقديم توضيحات كاشفة ودقيقة فيما يخض تلك العمليات.
يفرض اتحاد النقابات على وزارة التعليم العالي مراجعة التعاون مع المغرب باسم الطلبة وممنوحي الدولة الموجهين إلى المغرب المنسيين منذ ثلاث سنوات.
نظرا إلى عدم شرعية مجالس الإدارة والمجالس العلمية والتربوية والبحث ومجالس الكليات في جامعاتنا وإلى النظام الداخلي لجامعة نواكشوط و إلى أهمية التشاور مع الطلبة فيما يتعلق بشؤونهم، فإن اتحاد النقابات يفرض على الإدارة الجامعية تنظيم انتخابات حرة وشفافة لمثلي الطلبة.

ii. الخدمات الجامعية:

نظرا إلى العدد المتوفر من الباصات لنقل الطلاب ورغم أن هذه الباصات لا تنقل الطلبة فقط إلا أنها غير كافية، كما أن خط النقل لا يغطي كافة أحياء نواكشوط، إن اتحاد النقابات يرفض استخدام هذه الباصات لنقل أشخاص آخرين من غير الطلبة ويطالب بتوفير 50 باصا لنقل الطلاب.
انطلاقا من كون المنحة الشهرية للطلبة غير كافية وإلى عدم المساواة بين الطلبة التي لا يمكن التسامح معها ولا قبولها، وإلى أن انعدام المساواة يشيع جوا من الإحباط، فإن اتحاد النقابات يطلب زيادة في المنحة بنسبة 80% لكافة الطلبة وتقديم المنحة إلى كل الطلبة بدون تمييز في العمر أو في السنة المرحلة الدراسية أو الولاية التي تم فيها الحصول على شهادة الباكلوريا أو الشعبة المعينة.
يطلب اتحاد النقابات تسجيل الطلبة في نظام الصندوق الوطني للتأمين الصحي.
نظرا للوضعية الاجتماعية والاقتصادية الصعبة ولحالة الطالب، يناشد اتحاد النقابات الدولة الموريتانية لتخفيض بنسبة 30 % من سعر جواز السفر العادي بالنسبة للطلبة.

iii. الحريات النقابية:
ترتيبا على قرار جامعة نواكشوط حظر أنظمة مخاطبة الجمهور عبر أجهزة الصوت والسماع في كلية العلوم القانونية والاقتصادية واعتباره محاولة لإسكات الطلبة من خلال قتل النقابات والأندية، فإن اتحاد النقابات يرفض سلوك رئيس الجامعة و إدارة هذه الكلية ويعارض هذه الطريقة الرديئة باعتبارها اعتداءا على الحريات النقابية للطلبة ويحذر الإدارات الجامعية من مغبة التصرفات المماثلة لذلك السوك.
يرفض اتحاد النقابات حذف الملصقات من طرف الجامعة ومنع ولوج مكبرات الصوت في رحاب الجامعة خلال تظاهراتنا.

الموقعون:
النقابة الوطنية للطلاب الموريتانيين
الاتحاد الحر للطلبة الموريتانيين
الاتحاد الوطني لطلبة موريتانيا
الاتحاد العام للطلبة الموريتانيين
نقابة الشعلة الطلابية
الاتحاد المستقل لطلبة الموريتانيين
اتحاد الوحدة لطلبة الموريتانيين
اتحاد الطلبة الوطنيين

من عُطيل الموريتاني إلى تاجر البندقية

جلستُ على الشاطئ وحيدا  غير بعيد من الربوة التي تتناثر حولها أنقاض القلعة الهولندية القديمة في أكادير وقد تبدت في الأفق شمس المغيب وهي تكسو السماء بلونها الزحليّ العجيب وهو لون بكائي تختلط فيه الصفرة الكابية  بحمرة  عندمية  حزينة.. لحظتها خُيل إليّ أن الكون  تخلى عن كل جبروته  وتفرغ في ساعة ابتهال لعبادة ونجوى نادرة الحدوث فطفقت أنقش في الهواء ما نحته قبطيّ العفاف على جدران الزنزانة وأخطُ بعصا مصريٍ منسي في تابوت ما حفرته  منسأة مقدسيٍ على ريحٍ  مرّدت لوحدها صرحا من القوارير…

 

أروع ما قد يرسمه بشر على الأرض هو قصر رمل ينتظر مد البحر… لذا بنيتُ على الشاطئ قصري ووضعت له بوابة فخمة صففت لها  ثلاث  عصيّ  كعواميد الرومان بُعيد نجم خماسي فاخرٍ وعلى رأسها شرفةٌ مثل السنانِ المُقومِ ورمزتُ ميماً طميسا أبترًا كعنوان  بريدي ثم زودت البناء بسلم مربع مخفي وكأنه ليس بسلم بل كوةٌ يتسرب منها بصيص ضوء في أغوار مظلمة وكتيمة.

رأيت من رسمي عجبا فقد أخذتني نفسي بعيدا.. بعيدا وكدت أن لا أعود.

على  الرمل لاقيتُ عُطيلاً وهو يختار سفينة ضخمة من سفائن الإفرنج وليس معه من المتاع إلا منديلٌ صغير في جيبه. منديل حقير نسجته ذات يوم أسوانية سوداء  أو سونينكية كما  في دارج القول هذه الأيام.

منديل عُطيل حمل أسرارا دفعته إلى التعلق بالصارية السامقة وقد كانت تعتريه مثلي خيبات  ألزمته على ركوب البحر والمخاطرة بعيدا عن مضارب  المنقبين من لمتونة لذا انتبذ  في أكادير منذ سبعمائة سنة ورسم على رملها ما رسمت ورحل بعيدا وسأرحل مثله في الغد الباكر.

من الساحل الأسود الغربي رمته الأقدار صدفة في قنوات مائية عجيبة هي طرقات مدينة حالمة وعائمة وسعيدة تدعى البندقية ووحده شكسبير القادر على نقلى  ونقلكم في لمح البصر من أكادير مباشرة إلى البندقية.

لم يكن عُطيل هذا نتاجا جامحا من مخيلة وليام شكسبير الطفاحة بقدر ما كان موريتانيا صرفا فيه شيء من عروبة وشيء من زنوجة ودماء بربر ومخاطرة فينيق واستطاع بحيازة الأسرار وبالشجاعة أن يصبح سيد البحار دون منازع وابتسم له الحظ كثيرا فأحبته ديدمونة كريمة سيناتور البندقية ونائب “دوجها” المتنفذ.. وتتالت انتصاراته وأضحى بعد مسار مرير العزيز المَكين بأغنى وأقوى ممالك العالم.

كان عُطيل وقت اللقيا مرحا وحلو المفاكهة سريع البديهة ما إن بادرته بالتحية السريانية “أهمن سقكن”  أي كيف الحال حتى أجابني قائلا “حلعن يصن” وتعني قضيّ الأمر.. ورحت أجاذبه الحديث بتلك اللغة الشرقية البائدة التي اعتمدها أهل البرزخ وتنكبوا غيرها وعرفت من حديثه عن خفايا ضاعت وفهمت الدرس العويص.

عُطيل ككل موريتاني أحب بعنف واستبدت به الشكوك وتلاعبت به الظنون لذا لم تكتب له السعادة الطويلة  وهذا أمر مفهوم فالعاشق الموريتاني منذ زمن غابر مولع بسوء الظن وتصديق الوشاة ومبتلى دوما بشيء من السذاجة والطيبة  لذلك سقط  عُطيل في الفخ وقتل ديدمونة خنقا وهي تطارحه الحب على وثير فراش بعد أن رمت أيد آثمة منديل السونينكية في فراش رجل آخر.. فتيقن الموريتاني المتسرع أنه دليل أكيد على خيانة الحسناء الوفية.

ندم عُطيل ندما عظيما عندما خسر ,كابن زريق, كل شيء وراح يقارن في شاعرية أسيفة بين دماء الفقيدة والصمغ المجترح أبدا من أشجارنا البريئة.. ثم قتل نفسه ليعاقبها على ما فعلت برمز الجمال وأيقونة الإخلاص ولم يكن أمره غريبا في أعرافنا فكلنا نحب بعنف وكلنا ضحايا افك وسذاجة.. وكلنا  مازوخيون من نسل عُطيل تنقب أعيننا عن مسبحة ضائعة وتستنشق أنوفنا روائح العابرين بتوجس وريبة.

كان الرئيس مختار ولد داداه  -رحمه الله- رجلا حاذقا رابط الجأش لا يتنازل أبدا عن ذرة من عقله وفطنته لذا كان بعيدا عن كل صخب لا تحركه المشاعر ولا تقوده الانطباعات وله من الفضائل والمحامد ما يصعب حصره ويستحيل عده لكنه لمن عرفه عن قرب ظل عاشقا لأرض تيرس وأهلها وفيا لحبه  الأكبر إلى أن لاقى وجه ربه.

حبه كان صادقا ومبكرا فقد خيّر فور تخرجه كترجمان للمكان الذي سيبدأ فيه حياته المهنية وكان ذلك في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي فاختار دون تردد قلعة ترينكيه أو ما يعرف الآن ببير أم قرين وتفاجأ الحاكم الفرنسي كثيرا من غرابة الاختيار فقد صنف كل الناس المنصب عقابيا ووصفوه بالسجن البعيد وتعجبوا من أمر الفتى المتفوق والقادم من أهل حظوة ونفوذ تجعله يستحق منصبا أكثر رحمة.

أصر مختار على المنفى النائي و علل  في مذكراته قراره الغريب   بحبه العارم لتلك الهالة التي تحيط بأهل تيرس وما حيك حول استبسالهم الملحمي في مقاومة الغزو الفرنسي من أساطير.. كأنه أحبهم سماعا وقديما قيل الأذنُ يا قوم تعشق قبل العين أحيانا !

أمضي الرجل عقدا من الزمان متنقلا بين قلعة ترينكيه وقلعة غورو وزار كثيرا  اميجيك وبير انزران واستجم في فيلا سيسنروس وعيون الساقية والطنطان وواد نون وتعرف على الناس وانسجم معهم في حب وغرام.

وهذا أمر طبيعي  ومألوف فمن منا يستطيع معرفة الرقيبات وشكم نفسه عن السقوط في فخ الهيام الأبدي بهم؟

لا شيء أبهى من صباحة بناتهم.. ولا توجد موسيقى على وجه البسيطة أرقى من أناشيدهن وهي تتماهى والليالي المقمرات على ثرى تيرس هناك  بعيدا حيث تُمطر السماء شتاءً وحيث يبتسم النوار على مشارف الجلتة الجذلى منذ القدم.

في داخل مختار ولد داداه رقدت قصائد لم تعرف طريقها للكتابة والنشر وكلها من نوع جزل تحاكي ولد الطلبة وتتغني بتلك الأرض والنجل في عيون أهلها.. وقصته الطويلة والمعقدة مع الصحراء طمرت عن العيان قصيدة شعر عصماء ورائعة لم تعرف بعد.

غادر تيرس والدمع منسكب.. وغادر موريتانيا كلها.. بعد أن رسم قصورا من رمل واستدعى مثلي ومثل عُطيل من قبلي حظوظ المخاطرة وتلمس القوة من منديل أسواني لست أدري كيف حصل عليه.

عاد  بعد عقد من الزمان أستاذا كليّ الاحترام ورئيسا فخيما لجمهورية أراد لها أن تولد من رملنا وتحت سمائنا.. دولةً بكراً تجمع شملنا أعرابا وأزناجا بعد طول فرقة وطائش تفريق.

خلال رئاسته الطويلة والعنيدة أقام الدنيا وأقعدها باحثا عن تيرس الغربية وعن وصالها وتجشم في ذلك ما لم يتجشمه أحد وحين اقتربت ساعة الوصل ضاع المنديل وأطرقت ديدمونة حزنا ولم يستطع أحد أن يُفهمه أن الأمر قضي بليل وأن ليس له فيه من سبيل.

ككل عاشق موريتاني استبدت به الظنون وراحت رسل  الحب تتحول إلى قوة احتلال وناب التجافي عن طيب اللقاء وانبت ما كان موصولا بأيدينا.. ونشبت الحرب وهو يتحدث في كل مناسبة عن العناق الأبدي بين حبيبين فرقهما الاحتلال الأوروبي وصال في هيامه الصحراوي وجال وديدمونة تنزف دما وحين أدرك عمق الجراح راح كعطيل ينتقم من نفسه ويعاقبها.

لذا لم يبالي بما أخبره به صديقه المغربي من أنباء انقلاب وشيك خابرهم أحمد ولد الوافي بخفاياه ولم يكترث برسالة موبوتو سيسيكو حول مؤامرة الأخوين ولد عبد الله وعندما التحق به أحمد ولد الزين ليخطره على عجل هامسا أن فلانا وعلانا –وكلهم أصدقاء ولد الزين – حسموا أمرهم وقرروا خلعه في الصباح لم يحرك ساكنا بل ابتسم ولاذ بصمت مترفع وغريب.

في الصباح جاء عسكر أجلاف واقتادوه إلى السجن واكتشفوا بدهشة وذهول انه كان ينتظرهم منذ زمن طويل وأنهم تأخروا كثيرا وأنهم بالنسبة له مجرد خناجر يريدها في صدره كما أراد عُطيل لنفسه أن يرحل.

لم يكن ولد داداه عطيليا وحده فلقد كان ولد هيدالة هو الآخر عطيلا بطريقته, هنالك شيء ديدموني في علاقته بالناس, لذا يصعب فهم تناقضه  بسهولة ومن العَصي وجود تفسير آخر لمشاعره ووساوسه وتقلباته.

نتذكر عنه على سبيل المثال لا الحصر كيف أظهر للرئيس مختار وهو في سجن ولاتة من الحب والتقدير ما لم يلزمه عليه أحد وقد كان رئيسا للأركان وليس هناك سبب وجيه واحد للنفاق والمداهنة.. في حديثه معه كان وديا يلتمس المشورة وحنونا يعدُ دون طلب بالعمل على الإفراج عنه بل ويقترح طرقا عجيبة للاستفادة من خبرته !

لقد كان ولد داداه صديقا لوالده وقد كان مراعيا له في دراسته واختاره مرافقا وائتمنه على نفسه وكان يزجر من اعتبروه مواليا للبوليساريو..على الأقل من الناحية الشخصية لم يكن هناك نزاع بل كان هناك حب وود.

الغريب في أمر هيدالة أنه ما إن آل إليه الأمر حتى حاول التملص من وعد سلفه المرحوم احمد ولد بوسيف بإطلاق سراح السجين الولاتي المريض.. ولولا دهاء السفير الفرنسي وتعاون وزير الخارجية أحمدو ولد عبد الله وتلاعبهم  بالبدوي لما قبل فكرة مغادرة ولد داداه البلاد للعلاج. لقد ظن في سذاجة أن مذكرة دبلوماسية تلتزم فيها الجمهورية الفرنسية بإعادته إلى السجن  كافية للقبض عليه في أي وقت ثم أدرك أن الوثيقة تبخرت وربما أعادها ولد عبد الله لأصدقائه الفرنسيين فاستشاط غضبا وأودع ولد عبد الله في السجن مكان الرئيس الغائب وأرسل خلفه ولد الزامل لتحذير جيسكار ديستان من مغبة التلاعب به وقال له بالحرف إن موريتانيا تشترط إعادة الرئيس السابق إليها وفورا.. بطبيعة الحال أضحكت نبرة ولد الزامل الرئيس جيسكار كثيرا ووقف متسائلا وهو يقول لنفسه منذ متى صارت فرنسا عنبرا من عنابر السجون الموريتانية؟

لم يتردد ولد هيدالة في محاكمة الرئيس الأسبق – غيابيا – والحكم عليه بالسجن المؤبد والأشغال الشاقة ومطاردته في كل مكان واضطهاد ذويه ومقربيه و طمس ذكراه في كتب التاريخ الرسمية وأسرف في ذلك كثيرا.. وكثيرا.

ذات يوم  ضاع المنديل الأسواني وهو في الربى الخضر المحيطة ببرك الغماد فقرر العودة من بوجمبورة مفضلا السجن على البعد والنفي وكأنه في مازوخية عطيلية جديدة يريد معاقبة نفسه.. والأغرب من كل ما سلف أني لمحته في المطار مستقبلا مختار ولد داداه ومشاعر الفرح تعتريه في احتفالية جلية بنهاية المنفى الطويل والمؤلم الذي كابده الرئيس الراحل وقد كان ولد هيدالة أول من أجبره عليه !

لن أنسى ما حييت دموع الحزن في عينيه الصغيرتين اللماحتين ساعة الصلاة على جثمان الرئيس المؤسس وأخالني قرأت يومها شيئا من الصدق في وجهه  الحزين.

لم يخلو معاوية ولد الطايع من عاطفة جامحة رغم ما عرف عنه من برود مشاعر واقتصاد في الكلام والحركة. الجميع يتذكر كيف انقلبت مشاعره من الود والمحبة لأشقائنا البولار إلى الكراهية والضغينة.. الكل يتذكر كيف استبدت به الظنون وتلاعبت به الشكوك ودفعته إلى ارتكاب المظالم الكبرى كالخنق  حتى الموت والردم الجماعي وهي كلها تعابير وحشية نابعة من حب موءود وخيبة مفاجئة وغيرة مجنونة.. وتذكروا معي كيف كان يصنفه أهله قبل ذلك بسنوات كواحد من أقل الضباط “التكارير” كراهية للعرب “المور”.

قد يجد المتتبع  الفَطن في أمر معاوية شيئا من عطيلية دفينة وان كنت أجده أقرب الناس إلى شخص مكبث ذلك النبيل الاسكوتلندي الذي صار ملكا بدعم الساحرات الثلاث ومكائد زوجته وبصدفة مباغتة اندفع إلى الجرأة  وسرقة عرش لم يكن أحد يصدق أنه يحلم باعتلائه.. وقام بكل شيء ليبقى فيه إلى الأبد.. لكن ماتت العقيلة  وظل شبحهها يلاحقه وفقد مُلكه بعقد ونيف بعدها باكيا كالنساء.. وذاق مما جرع الناس وأراح واستراح.

لنتقدم مع الشخوص الشكسبيرية  سريعا.. فهي تلائمنا تماما وتتطابق مع أشخاص المسرحية الموريتانية الطويلة والمفزعة ولنتقدم أيضا في المقارنة والإسقاط فسنصل وبشكل حتمي ومذهل إلى ما نعيشه الآن وسنجد أنفسنا  أمام كوميديا مرة وعظيمة يحتكرها شيلوك المرابي وتاجر البندقية الجشع الذي أغرق  في شُباك ديونه كل ساذج وغَفل وحَجر على كل سفيه وأبعد كل متبصر مشترطا لقضاء قروضه رطلا من اللحم البشري من كل مَدين.. ولم يصدقه بعض الناس  بل اعتبروا الأمر هزليا ووقعوا العقود مع المرابي وحين عجزوا عن فوائده المتراكمة شَحَذ سكاكينه وبدأ عمليات القطع الأليمة.

بعبارة أخرى أكثر وضوحا وبساطة قد أسدى ولد عبد العزيز خدمات كبيرة لموريتانيا وأهمها على الإطلاق إنهاء مسرحية مكبث المملة وساحراته المخيفات لكنه لم يكفيه من العوض التهام كل أسماك البحر ولم ترضيه معادن الشمال وكنوزه ولم تشبعه حقول الجنوب.. شهية شيلوك تاجر البندقية ومرابيها بلا حدود.

مأساتنا هي أن شيلوكنا نحن ماكر ونهم, صعب المراس, زعاق الطباع وفي حوزته وثائق ومستندات رسمية تعطيه ملكية قانونية لرطل كامل من لحم كل موريتاني وبؤبؤ عينيه  ونتشة من أنفه وحلمتيه.

الهي إليك  وحدك المشتكى من غلبة الدين الشيلوكي ومن قهر الرجال ؟

لما جن الليل تطاول المد رويدا رويدا.. وأغرق الموج قصر الرمل الذي جاهدت في بناءه   أيما مجاهدة.. فأخذت أُكملُ أورادي وأتلمس المنديل وأقلبه بين يدي وأصلى ومعي مصائر أمة ضارعة تبحث  في تلهف عن الخلاص وتتوق لعتق رقابها من ديون شيلوك المستحيلة القضاء.

أدركت أن في أحزاننا لوعة امة مسالمة يعتصرها الألم فردا فردا  حتى صارت تشتاق لكل عُطيل وتشتاق لكل مكبث.. وتترقب قدوم فارس  سيفتر عنه ثغر السماء  وقد تقذفه على شواطئنا سفائن البحر أو ربما تحمله إلينا السافيات من ريح البر.

حملني الحزن في خلوتي إلى الأعالي وغرقت في النجوى حين وقفت متبتلا أصلي على النبي الخاتم  الهادي إلى الحق بالحق  الواهب أسراره للعارفين – ومن أحسن التعريض ذاك التختم – المُجتبى إلى حضرته الصالحين من أتباعه فصلوا عليه معي وختموا وسلموا تسليما.

المصدر.