أسنيم و عمالها: مأساة تتفاقم/ عبدالمطلب عبدالودود

يتطلع عمال الشركة الوطنية للصناعة والمناجم هذه الأيام إلى تحقيق الكثير من الوعود التي أعطى المدير الحالي، محمد ولد أداعا، منذ توليه إدارة الشركة والتي لم يتحقق منها أي شيئ حتى الآن حسب المراقبين، ومن بين أهم تلك الوُعُود التي تشغل أذهان العمال في مدينة أزويرات في الوقت الراهن ويُعلقون الكثير من الآمال على تحقيقه هو الإلتزام الذي أعطت أسنيم لعمالها في مطلع العام المُنصرم بصرف ثلاث رواتب (من أصل خمسة طالب بها العمال ضمن قائمة مطالب أخرى) لكل عامل بشرط أن يُضاعفوا جهودهم حتى تتمكن الشركة من تصدير إثنى عشر مليون طن من الحديد الخام وهو ما تم بالفعل.

شحذ ذلك الوعد هِمَمَ العمال وحطموا رقما قياسيا في نهاية شهر ديسمبر الماضي وتمكنت شركة أسنيم من تصدير 13 مليون وأربعين طن من الحديد الخام خلال عام واحد 2012 ـ 2013 وهو مافاق تصورات الشركة تم نقلها عبر القطارات من مناجم أزويرات إلى ميناء الشركة بمدينة أنواذيب ومن هناك إلى الأسواق العالمية. هذه هي المرة الأولى التي وصلت فيها صادرات الشركة إلى هذا الرقم منذ تأسيسها قبل أكثر من نصف قرن وتتطلع إلى أن تصل صادراتها إلى 25 خمسة وعشرون مليون طن سنويا خلال السنوات القادمة ومع كل هذه الأرقام الضخمة، لم تستطع شركتنا الوطنية حتى هذه اللحظة توفير ظروف عيش كريم لعمالها الذين مازال معظمهم ”جرنالية” عمال غير دائمين تعيش أسرهم في ظروف مُزْرية.

كان من المتوقع أن يقوم المدير العام للشركة ولد أُدَاعَا بزيارة لمدينة أزويرات قبل ثلاثة أيام حيث اجتمع العمال أمام مباني إدارة الشركة لإستقباله علهم يسمعون منه أخبارا سارة لكن ذلك لم يحصُل لأن المدير لم يأتي وهو ما أثار موجة غضب عارمة بين أوساط العمال المُنهكين والمُحبطين من الوعود الكاذبة وسط شائعات تقول بتسرب معلومات سرية تقول بان  المدير ولد أُدَاعَا لم يفي بالوعد الذي قطع على نفسه بصرف ثلاث رواتب لكل واحد منهم بعد أن حققت أسنيم أرباحا طائلة في العام المنصرم وحطمت صادراتها رقما قياسيا بفضل تصميم وعمل العمال الدؤوب.

هناك أخبار يتم تداولها بين أوساط العمال تقول أنه في حالة ثَبُتَ أن مدير أسنيم ولد أُدَاعَا قد تراجع عن إلتزامه للعمال بصرف تلك الرواتب، فلن يمُر ذلك التصرف بسلام وقد بدأ التخطيط لإضراب عام في كافة مناجم الحديد في أزويرات لهدف الضغط على إدارة أسنيم لتفي بكافة وعودها للعمال وعدم التلاعب بهم مستقبلا ولا يُخفي العمال في هذه المدينة أمتعاضهم واستياءهم من الحفلة التي نظمت شركة أسنيم في أزويرات قبل أسابيع وجَلبت لإنعاشها عشرات الفنانين من العاصمة أنواكشوط بمناسبة نجاحها في تحقيق أهدافها ووصول صادراتها إلى هذا المستوى الهائل و”بذَّرَتْ” ـ حسب تعبير العمال ـ عشرات الملايين في حفلات وأماسي عبثية في الوقت الذي يُعاني فيه من صنعوا ذلك النجاح من عمال فقراء من تدني الأجور في ظل الإرتفاع الجنوني للأسعار وانعدام التغطية الصحية وانتشار الأمراض الناجمة عن الــــــســِـــيـــلـــــِـيــــكـــُوزْ بالإضافة إلى المماطلة والتهميش.

بالمناسبة، الــــــســِـــيـــلـــــِـيــــكـــُوزْ هو مرض يعاني منه معظم عمال شركة أسنيم ناجم عن إستنشاق غبار المعدن المنبعث من المنشئات والحفر وعمليات التفجير وحتى القطارات العتيقة التي تنقل الحديد الخام والجارفات والناقلات العملاقة في المناجم المحيطة بمدينة أزويرات وأفديرك وقد ظلت الشركة تُعتم على موضوع الــــــســِـــيـــلـــــِـيــــكـــُوزْ والأمراض الناجمة عنه والتي حصدت أرواح العديد من العمال البسطاء في السنوات الأخيرة الذين تفرض طبيعة عملهم التعرض للغبار بشكل مُكثف.

من بين المطالب التي يطالب بها العمال أن لا يتم إعطاء الزيادات والتشجيعات المعروفة بـــ ”بونيسْ” في شهري يناير وشهر إبريل حسب الراتب لأن ذلك إجحاف بحق العمال العاديين الذين يمثلون العمود الفقري للإنتاج والذين يتعرضون للمخاطر على مدار الساعة ورواتبهم زهيدة وربط الإستفادة برواتبهم المتدنية كما تفعل الشركة في كل مرة هو ظلم وغبن وغلط في حق شريحة العمال العاديين ولا يستفيد منه في العادة إلا الكوادر ”عديمي الفائدة” الذين يقضون أوقاتا ممتعة في المكاتب تحت المكيفات وبعضم ينام في مكتبه حتى ينتهي وقت الدوام ولا يقدمون أي خدمة للشركة ولا للوطن.

تجدر الإشارة إلى أن هناك مكاتب لنقابات كثيرة في مدينة أزويرات وتنتمي غالبية العمال لنقابتين: CGTM ”الكونفدرالية العامة لعمال موريتانيا” و UTM “إتحاد عمال موريتانيا” وتسيطر أسنيم على مناديب هذه النقابات من خلال تقديم رشاوى لهم على شكل قروض مُيسرة بالملايين وتزودهم بالمُعدات وتضع المنازل التابعة للشركة تحت تصرفهم؛ لذلك أصبح مناديب النقابات العمالية الكبيرة عديمي الفائدة ومُتمالئين مع أسنيم للإستحواذ على حقوق العمال.

يحدث كل هذا الظلم والإستغلال البشع لقضايا و حقوق الإنسان و كافة أنواع الإنتهاكات في بلد يتباهى بـ ”إسلاميته ” وتحت أنظار الحكومات التي تتباهى هي الأخرى بــ ”وطنيتها وأحكامها الرشيدة ومحاربتها للفساد ومن قِبَلِ من؟ شركتنا الوطنية للصناعة والمناجم، أسنيم ” ولا تُحرك الدولة ساكنا ساكنا لنجدة المواطن العامل الفقير المُحْبَط الذي تتآمر عليه النقابات العُمالية التي من المُفترض أن تكون إلى جانبه لإسترجاع حقوقه المُنتزعة!  فبعد كل هذا نتحدث عن ظلم الشركات الأجنبية وإنتهاكاتها لحقوق المواطنين الموريتانيين!؟ إذا كانت الدولة والشركات الوطنية تحتقر المواطنين، فكيف ستحترم حقوقهم الشركات الأجنبية؟!

عبدالمطلب عبدالودود.

Advertisements