التقليديون يسمونها تعكير صفو القصيدة الكلاسيكية

الحداثة الموريتانية… والسلفية الشعرية
السؤال عن حداثة الشعر في «بلد المليون شاعر» هو سؤال كبير؛ فتقييم تجربة الشعر الموريتاني الحديث مشروع صعب المنال لكثرة العوائق التي تعترض سبيل مبتغيه بسبب قلة الدراسات النقدية الجادة، وصعوبة النشر، وسيطرة النظرة التقليدية على الذائقة الشعرية الموريتانية التي تدفع الكثيرين إلى إنكار تأثير الحداثة على المنجز الشعري الموريتاني، خوفاً من الغياب في مواجهة إنتاج الأسماء الشعرية الشابة الأكثر حداثة.

ولعل خوف الموريتانيين مما يسمونه «تعكير صفو القصيدة الكلاسيكية»، دفعهم إلى تغييب الشعراء الحداثيين. وامتد هذا الخوف ليس فقط إلى صفوف الجمهور، بل أيضاً إلى صفوف النقاد والأكاديميين والشعراء أنفسهم الذين رفضوا تقويم المدون القليل والمنشور الأقل من التجربة الشعرية الحديثة، ما أدى إلى إحباط الشعراء الحداثيين من جهة، وإجهاض انطلاقة التيار الحداثي في «بلد المليون شاعر».

إشكالية التلقي

ترتبط محاولة استكشاف أثر فعل الحداثة على الشعر الموريتاني، سواء من حيث المفهوم أو النشأة أو التدرج، بدراسة إشكالية التلقي الشعري في مجتمع كالمجتمع الموريتاني الذي تسيطر عليه الذائقة الفنية التقليدية التي تؤثر سلباً على تطور الشعر الموريتاني الحديث وعلى الجهود التجديدية التي يقودها الشعراء الحداثيون.
وإضافة إلى إشكالات التلقي، ترتبط دراسة تجربة الحداثة في الشعر الموريتاني بدراسة تأثير المرجعية التراثية على الشعر الموريتاني المعاصر، حيث إن بعضه يبدو خالياً من أي حداثة إلا بالمفهوم الزمني البحت، وتتفاوت مستويات الحداثة في الشعر الموريتاني تبعاً لتأثر الشعراء بالتراث. وبقدر ما تكون مواهبهم وخلفياتهم الثقافية واتصافهم بقيم الحداثة الفنية قادرة على تحديث الشعر، يكون إنتاجهم حياً وحديثاً وقادراً على الاتصال بقضايا المجتمع، ومنفتحاً على الذخيرة الشعرية العربية الحديثة.

ورغم أن الحداثة بدأت متأخرة في موريتانيا وفهمها البعض فهماً خاطئاً، إلا أن القصيدة الحديثة أصبحت تفصح عن نفسها في بلد المليون شاعر بعد أن كانت تجتذب الأنظار باستحياء، مستفيدة من التطور الثقافي والفكري، وهو ما دعا الكثيرين إلى القول إن القصيدة الموريتانية مُقبلة على عصر جديد.

الذائقة التقليدية

تتعدد أسباب ودوافع تأخر الحداثة في الشعر الموريتاني؛ سواء تلك المتعلقة بوضعية الشعر والثقافة الموريتانية بصفة عامة أو تلك المرتبطة بالشعر الحديث الذي يبحث عن موطئ قدم في بلد يعاني نقص التدوين وندرة النشر وإهمال المشهد الثقافي.

ويبدو أن لقب «بلد المليون شاعر» كان له تأثير كبير في تغييب التيار الحداثي؛ فمع ما يؤسس لمصداقية هذا اللقب من عشق الموريتانيين للشعر وكثرة تعاطيهم له إنشاء وإنشاداً وتمثلاً واستشهاداً، إلا أن الجمهور لم يعد يرضى إلا بدرر العطاء الشعري، كما أنه يميل بصفة تلقائية إلى القصائد التي تشبه الشعر الجاهلي، وعلى اعتبار أن أغلب القراء ناظمون جيدون للشعر القديم في بلد يطغى عليه طابع البداوة، فإن الذائقة الشعرية لا تزال تقليدية. إضافة إلى أن الطبيعة الأخلاقية والاجتماعية والثقافية للمجتمع الموريتاني التي تتسم بالمحافظة، تسببت أيضاً في تأخر وصول الحداثة إلى الثقافة الموريتانية.

ويرى الشاعر الشيخ ولد بلعمش أن عشق الموريتانيين للشعر وكثرة تعاطيهم له وتمسكهم بالقصيدة التقليدية، أخّر وصول الحداثة للشعر الموريتاني، ويضيف: «لا يمكن تفسير تأخر وصول أسلوب في كتابة الحداثة إلا بنقص التفاعل مع الجديد، ولكن ماذا لو لم يكن الجديد مقنعاً للكثيرين؟! الموريتاني بطبعه عاشق للغة السليمة، بل متعصب لها في أكثر الأحيان، وهو ما يتساهل فيه بعض الحداثيين، ثم إن البيئة والتطور الاجتماعي ليسا شبيهين بالأجواء التي احتضنت سطوع نجم الحداثة في الأقطار العربية. ناهيك عن أن اقتناع العقل الجمعي بلون جديد يتطلب حالة إبداع خارقة، وهو ما لم يحصل بشكل ملحوظ في الحال الموريتانية. مع ذلك، ورغم هذه المعيقات كلها، بدأت الذائقة الموريتانية مؤخراً تتقبل الجديد؛ فقد كسرت أسوار النأي في عصر الإنترنت، بيد أن الحداثة في الشعر العمودي تظل أكثر قبولاً وإقناعاً للجمهور الموريتاني».

وعن تعامل الشعراء الموريتانيين مع الأساليب والتيارات الشعرية الحديثة، يقول الشاعر: «لم يكتو الموريتانيون بنار الحداثة إلا متأخرين، وإن ظل ذلك التأثر محدود النطاق والمستوى، ففي حين تعاطى الكثيرون بحذر مع الأنماط الجديدة لما لاقته من رفض التقليديين المسيطرين على الساحة الأدبية، نجد أن قصائد كتبت في الستينيات أكثر حداثة من كتابات بعض شعرائنا الشباب، ويمكن القول إن الحداثة بدأت تكسب الساحة، وظهر في الساحة شعراء شباب عبروا إلى قلب الحداثة شكلاً وأسلوباً وقضية».

ويشير بلعمش إلى أن القصيدة الحرة استقبلت في الأوساط الأدبية الموريتانية في البدايات بالفتور والسخرية، وكان اعتراض الجمهور والنخبة حاداً، ويضيف: «ربما كانوا معذورين حينها، فقصيدة التفعيلة حصيلة تفاعل مع الآخر وإشكالات النص والتفسير لماهية الشعر، الأمر الذي لم يمروا به في قطرنا النائي».

ويؤكد أن الشعر الموريتاني قادر على مواكبة المتغيرات في الواقع الحياتي، ويقول: «كلما تطورت الحياة أو تغير الواقع عدَّلت القصيدة نوتتها الموسيقية روحاً وترميزاً لتلائم نفسية المغني الجديد، وهذا ما نلمسه في تطور النتاج الأدبي، تبعاً للتغييرات العميقة في الشخصية الموريتانية التي نعيشها، وهي سمة تنسحب على جميع الأقطار العربية، بل المجتمع الإنساني بشكل عام».

تقطير القصيدة الحداثية

ظهرت بوادر تأثير التيار الحداثي في الشعر الموريتاني مع جيل الثمانينيات حين برز عدد من الشعراء المميزين الذين كانوا يكتبون بأساليب مختلفة ويتبعون تيارات شعرية متعددة، وأجهضت هذه الانطلاقة حين ظهر من جديد نوع من التقليد للشعر الجاهلي.

ويتخذ إحياء القصيدة القديمة في موريتانيا أشكالاً عدة، فلا يزال بعض شعراء موريتانيا يقلدون الشعر الجاهلي، كما أن الإقبال على أشكال الممارسات النظمية التي دأب الموريتانيون عليها لغايات تعبدية كالتوسل والابتهال ولحفظ الأشعار، يسهم في حصر التجربة الشعرية الموريتانية في زاوية التقليد.

ويرجع الفضل في إحياء القصيدة القديمة إلى بقايا روافد التعليم المحظري الأصلي؛ فمعظم شعراء موريتانيا هم خريجو «المحاظر» (المدارس التقليدية التي تشجع طلابها على حفظ الشعر القديم ونظم الأشعار على شاكلته كوسيلة لتسهيل حفظ المعارف وتذكرها)، إضافة إلى البيئة المحلية الشبيهة في روحها ومفرداتها بالبيئة القديمة؛ فمعظم الموريتانيين لا يزالون يركبون الجمال ويبرون النبال ويسكنون تحت الخيام ويبحثون عن الماء والمرعى ويتفاخرون بنسبهم القبلي. كل هذه العوائق روضت الذائقة المحلية على الشواهد الشعرية القديمة وكرّست العمود الشعري مسلكاً أوحد في قول الشعر، ويرى الناقد حبيب الله ولد أحمد، أن القصيدة الموريتانية «ولدت أصيلة تضرب بجذورها في الشعر العربي القديم، ووقف بعض أساطنتها أمام الحداثة، لأنهم لم يفهموها نصاً ولا روحاً، واعتبروها محاولة لمسخ الشعر العربي، وربطوها بالظواهر الاستعمارية الوافدة، ولم يتكلفوا عناء النظر فيها من حيث الأساليب والمضامين حتى أنهم أطلقوا على الشعر الحر، شعر التفعيلة، عبارتهم السائرة، وهي أنه شعر حر لأنه متحرر من الوزن والقافية والمعنى والمبنى، وكان حكمهم على الحداثة مبنياً على سلفيتهم الشعرية وخلفيتهم المحظرية التي لا ترى بديلاً للقديم؛ فهو الأنقى والأطهر، وما سواه مجرد محاولة لتلويث الشعر العربي وإلباسه لبوساً أجنبياً.. خاصة أن الحداثة قد لا تكون أكثر أحياناً من السير النمطي في فلك ثقافات وافدة واستنساخ تجاربها». ويشير إلى أن معظم الموريتانيين يخشون من تعكير صفو القصيدة الكلاسيكية، ويقول: «بطبيعة الحال، فإن شكل ومضمون القصيدة الحداثية ينسف تقريباً شكل ومضمون القصيدة الكلاسيكية، وصراع الشكل والمضمون ليس جديداً، ويتجلى في تمسك الحداثيين غالباً بالمضمون على حساب الشكل، وركون الكلاسيكيين إلى الشكل على حساب المضمون. وقد وجدت التيارات التحديثية في القصيدة الموريتانية صعوبة كبيرة في إنضاج أفكارها وتجاربها أمام متلقين مصرين على أن الشعر عمودي أو لا يكون شعراً، واللغة قحة معجمية أو لا تكون، وهو إصرار أنتجته عقود من تداول الشعر العربي القديم والنسج على منواله، وهي عقود بحاجة لبعض الوقت للتخلص من ميراثها ومحاولة زراعة نبتة حداثية من الواضح أنها هنا تفتقر للتربة الصالحة والسماد الضروري».

ويرى ولد أحمد أن احتكاك الشعر الموريتاني بالمدارس الشعرية الحديث كان له أثر كبير في إخراج النصوص الشعرية الموريتانية من عباءة الكلاسيكية، ويضيف: «احتك الشعر الموريتاني منذ خمسينيات القرن العشرين بنظيره في الوطن العربي، خاصة الشعر المصري والعراقي والسوري، وهذه مدارس شعرية حارة حملت تجديداً قوياً في البنية والشكل والمضمون، خاصة مع بروز أسماء كبيرة وجدت أشعارها صدى قوياً لدى جيل المتعلمين الموريتانيين آنذاك، ومنها: نزار قبانى وعمر أبو ريشة وأحمد شوقي والجواهري ومظفر النواب وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور ونازك الملائكة والبياتى وغيرهم… وكان لذلك الاحتكاك أثر كبير في إخراج النصوص الشعرية الموريتانية من عباءة الكلاسيكية لتظهر نصوص قوية من حيث الشكل والمضمون، حملت في طياتها رسائل جديدة تواكب العصر وتتبع قافلة التجديد الشعري في الوطن العربي. وأخلت الناقة والطلل والحبيبة أمكنتها في القصيدة الموريتانية لصالح الطائرة والتطور العلمي والمد القومي ورياح الثورة والانبهار بالآخر ومحاولة وضع المتلقي في صورة ما يجري في العالم من حوله، بلغة مبسطة وأوزان جديدة خفيفة وأساليب اقتضتها ضرورة مواكبة عصر السرعة والقرية الواحدة، ومع ذلك فقد كان لتجارب شعرية في أوروبا وآسيا من الأدب المترجم، دور مهم في استجلاب أنماط الحداثة الشعرية إلى البلاد شكلاً ومضموناً». وعن الأسلوب الأمثل لجعل المتلقي يطمئن إلى الشعر الحديث، يقول الباحث: «إذا كانت إشكالية تطويع المتلقي لإقناعه بالنص أو تطويع النص لإقناع المتلقي به إشكالية معقدة، فالشعر يفرض نفسه على المتلقي وليس العكس. وإن كانت صياغة المضامين الجديدة في قوالب قديمة من أقصر الطرق إلى المتلقي في موريتانيا، وهو متلق استثنائي يختزن دائماً عباءة أبى الطيب وناقة غيلان مي ودوارس ذي الرمة وزفرات أبي الخطاب، وينتشى طرباً لذكر الخيل والليل والخباء والقطيع والطلل، ومن الصعب إقناعه بالابتعاد عن حنينه الوجداني الوراثي للشعر العربي القديم. وإن كان له أن يقتنع بالشعر الحديث، فلابد أن ذلك لن يتم بجرة قلم وما من سبيل إليه إلا عبر «تقطير» القصيدة الحداثية وتحويلها إلى جرعات صغيرة يحقن بها الشعر الموريتاني تدريجياً حتى يقتنع المتلقي بأن الأمر لا يتعلق بحرمانه من القديم بقدر ما يتعلق بتعريفه على الجديد الوافد الذي لا مفر منه».

صراع مع البيئة

مع تنامي التجارب الجديدة، تجاوز الشعر الحديث في موريتانيا نظرة ذمٍّ وتبخيس وتحرر من أسر العمود، لا سيما مع تطور المشهد النقدي وانفتاح الباحثين والأكاديميين على المناهج النقدية الحداثية؛ فبدأت القصيدة المعاصرة تتجاوز أطوار الولادة العسيرة وتفرض نفسها شيئاً فشيئاً مع اتساع دوائر تلقيها. وكان للمراكز الثقافية العربية والبعثات الطلابية دور كبير في تجديد الأفكار والموضوعات والأساليب الشعرية، فاستطاع الشعراء اللحاق بالمنهج الشعري المتعدد الأساليب والانفتاح على المدارس الحديثة، فبرزت أسماء شعرية شابة أكثر حداثة وأقدر على التعاطي مع الساحة الثقافية العربية، فجاء شعرها أفضل شاعرية من شعراء كبار كانوا مجرد إفراز للمدارس التقليدية واستسلموا لاعتراضات المحافظين وللذوق التقليدي لمتلقي الشعر.

ويرى الشاعر أحمد ولد ادومو أن تطور النص الحديث مر بمراحل عدة، واستطاع إثبات جدارته في المدرسة المحافظة رغم أن ارتباط الشاعر الموريتاني الذي يعيش في مجتمع بدوي بالشعر الحديث ظل مشوباً بشيء من التقليد؛ فظهرت «الحداثة الأصيلة» على يد شعراء يكتبون نصوصاً موغلة في الحداثة ويحافظون على القالب الموروث. ويقول: «تجربة الشعر الحديث في موريتانيا ما زالت تحتاج إلى الكثير من القراءة المتأنية، وأعتقد أن هذه القراءة يجب أن تنطلق من ثلاث معطيات رئيسية. أولاً فيما يتعلق بالبداية والتطور، ومعلوم أن القصيدة الحديثة قد بدأت في موريتانيا منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، حيث بدأ شعراء من أمثال أحمد ولد عبد القادر ومحمدن ولد الشدو في التأسيس لقصيدة التفعيلة في خروج صريح وواضح وغير متوقع عن النسق الخليلي، غير أن تطور النص الحديث بنظري لم يكن متسارعاً، وإنما كان علينا أن ننتظر ثلاثة عقود تقريباً لنحصل على نص شعري حداثي، خصوصاً مع الجيل الذي كتب الشعر في التسعينيات، وسأذكر الشاعرين: محمد ولد طالب، إدي ولد آدبه كمثال على ذلك. وقد واصل شعراء الألفية الثالثة أمثال جاكتا الشيخ سكئ، وبوبكر ولد المامي، والنبهاني ولد المحبوبي، والشيخ نوح… تأجيج نار القصيدة الحديثة والسفر بها إلى عوالم أكثر اتساعاً وأكثر ملامسة لحركة الشعر الحديث في المشرق العربي». ويضيف أن هذا التطور الذي رفع من شأن النص الشعري الحديث أو الحداثي في البلد ما زال يتعثر ويرتبك ويأخذ مسارات متناقضة حينما نتحدث عن القصيدة النثرية التي لم تحصل على القبول، رغم ممارسة كتابتها من طرف بعض الشعراء، وأذكر منهم إبراهيم ولد عبد الله. ويشير إلى أن التطور الذاتي للشعر المحلي مرتبط بالشاعر نفسه «فالشاعر طبعاً نتاج لتجربته الشخصية المنبثقة حتماً من تجارب وطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه والأنظمة التعليمية التي تشكله والقراءات التي تفتح مداركه. وأعتقد أن الشاعر الموريتاني الذي يعيش في مجتمع بدوي رغم أنف المدينة لا يمكن إلا أن يظل ارتباطه بالشعر الحديث مشوباً بلا شك بشيء من التقليد، وأكبر مثال على ذلك أن لدينا شعراء يكتبون نصوصاً موغلة في الحداثة ويحتفظون لها بلبوس عمودي… هذا المعطى ربما يدفعني للحديث عن المقارنة المطروحة للنقاش التي تتمثل في الفروق الشاسعة بين شكل القصيدة وروحها عند الشعراء الموريتانيين المقيمين في الخارج، وأولئك الذين يعيشون في الداخل. سأعطي مثالاً على ذلك بالفرق بين التجربة الشعرية لكل من محمد ولد عبدي وبدي ولد أبنو من جهة، ومحمد الحافظ ولد أحمدو وأبو شجة من جهة أخرى، رغم أنهم جميعاً شعراء كبار».

ولا ينكر الشاعر ولد ادومو دور المتلقي في تطوير القصيدة الموريتانية، ويعتبر أن تغير الذائقة وانسلاخها عن التقليدي له دور قوي في تطوير المتن الشعري الموريتاني، ويقول: «أعتقد جازماً أن المتلقي وإن بدأ يتذوق القصيدة الحديثة إلا أن ولاءه وعشقه ما زال دائماً للحبيب الأول، القصيدة التقليدية بكل أبهتها وحضورها وحرفها الأخير الذي يتكرر دائماً». وعن مناهج وأشكال القصيدة السائدة حالياً في موريتانيا، يقول الشاعر: «فيما مضى كان الشكل السائد للقصيدة في موريتانيا هو القصيدة العمودية المتينة البناء التي تعتمد بالدرجة الأولى على اللغة والسبب والتطويل وتغييب الصورة والرمز، وذلك أمر له ما يبرره كونها كانت تخاطب جمهوراً يتبارى في معرفة اللغة والبحث عن الكلمات النادرة، ويجري خلف اللعب بالكلمات ويميل بصفة تلقائية إلى القصائد التي تشبه الشعر الجاهلي، وشيئاً فشيئاً تطورت القصيدة بوتيرة بطيئة، أما الآن، فإن القصيدة الموريتانية تتميز بتعايش كل أشكالها جنباً إلى جنب وإنْ كانت بعض الأشكال تطغى أحياناً على بقية اللوحة وتستأثر بمساحة أكبر. ربما تكون القصيدة العمودية ذات الروح العصرية هي الأكثر استخداماً، بينما يتواصل مد قصيدة التفعيلة لتحقق انتصارات متتالية وتستميل يوماً بعد يوم اهتمام الشعراء والجمهور، وتبقى القصيدة النثرية الأقل حضوراً في المشهد الشعري المحلي».

ويرى ولد ادومو أن جعل المتلقي يطمئن للشعر الحديث مرتبط باجتهاد الشعراء الحداثيين والتكثيف من الأنشطة والقراءات، ويضيف: «العلاقة بين القصيدة والمتلقي يجب أن تكون مفتوحة دون تدخل مباشر من الشاعر نفسه أو دون فرض وجهة نظره أو وصايته على النص بعد أن يبدعه، لأن مفهوم التبعية هذه بين الشاعر والنص رحلت مع نظرية موت المؤلف؛ غير أن المتلقي بطبعه، خصوصاً في موريتانيا، هو مستهلك لصنف بعينه من شعر فرضته عليه ظروفه الحياتية وطبيعة العيش وعلاقته الضاربة في عمق السنين مع الشعر في صورته التقليدية، لذلك فإن الرفض هو الجواب التلقائي الأول لكل الأصناف وأشكال التعبير المختلفة؛ ولكن الشعر الحديث يمكن أن يسمو بهذه الذائقة شرط أن يدخل في حرب مع القديم، بل من الضروري أن يكسب الرهان بالتقادم وليس بالإلغاء الكلي… كل شاعر في موريتانيا حتى وإنْ كانت تجربته الشعرية مفتوحة على قصيدة النثر إلا أنه عبوره الأول عادة ما يكون عبر جسر الشعر العمودي التقليدي في محاولة لكسب ود الجمهور ولتكوين سمعة حسنة، بعدها يمكنه أن يتحايل على هذا الجمهور بوضع الطعم في القصيدة التقليدية التي من خلالها يمكنه أن يصطاد جمهوراً قد تشكل نسبة صغيرة منه لاحقاً نواة الجمهور المتحمس للشعر الحديث، وهذا ما حدث بالفعل مع أكثر من شاعر وأكثر من جيل وأكثر من تجربة إبداعية».

http://www.alittihad.ae/details.php?id=6615

Advertisements