عندي حلم / السالك ولد الناه

السالك ولد الناه

السالك ولد الناه

قصة مستوحاة من ارض الواقع
عندما عبر مارتن لوثر كنغ عن رغبته في رؤية مستقبل يتعايش فيه البيض و السود بحرية و مساواة و تجانس
صدح عاليا قائلا
I have a dream
عندي حلم
كان حلم كينغ هذا يبعد ألاف المسافات الضوئية عن حلم و حيد لشاب تجرع مرارة البؤس و الحرمان
ذلك الشاب المسكين الكاتم لصراخ تبرزه قسمات و تعابير و جهه المكدود
كان كان حلمه الوحيد و قتها أن يشاهد نفسه و شقيقته معا يستنشقان أهازيج الحرية و لو مرة واحدة في الحياة
و ما تعني الحياة إذا كانت هناك قيودا و شروطا تمارس عليك دون أن تستطيع قول لا – لن اقبل, لا – لن افعل ؟
دون أن تستطيع حتى إنقاذ نفسك من تلك القيود ؟
لله ما اقسي البشر
البداية
في الخامس عشر من شهر ابريل عام ألفان و خمسة عقد بلال أول اجتماع له مع زمرة من عبد قبيلة ” أولاد الطلح” تحت شجرة ظلالها لا تغنى من لهيب الشمس الحارقة شيء
تحدث بلال في البداية عن معاناتهم كعبيد و عن معاملات الأسياد لهم
و قبل اختتام الاجتماع و وجه بلال سؤالا إلى المجموعة عن كيفية تحررهم من جحيم العبودية هذا
كان أول رد من احدهم قائلا ان ما يطمح إليه ما هو الا حلم ميتافيزيقي و ان لا يستحب الخوض فيه
و رد آخر إن الماضي هو الحاضر و إن المستقبل لن يكن إلا امتداد لحاضرنا هذا لذا لا تتعب نفسك لم – لن نتحرر
و أضاف ثالث إن مفارقة الأسياد ذنب لا يغتفر و أن مجرد الخوض في تلك الحوارات العقيمة يعتبر عن الله من كبرى الكبائر حسب قولهم
أما بلال فقد صرخ بصمت في و وجوههم جميعا و غادر المكان
ذات مساء حزين من مسائيات التمرد حسم بلال العبد العشريني قراره النهائي بعد أن أمضى يوما بكامله و هو يفكر في سبل تنجيه و توأمته مسعودة من عذاب أسياده السابقين
يفكر في طريقة أية طريقة تنجيهما من نيران العبودية و الإقصاء و التهميش
كان المسكين و وقتها القادم من رحم العبودية يمضي طول أيامه و هو و هو يلهث و راء الماشية يجمعها عند تشتتها ينام معها أينما حلت و ارتحلت
ضرب بلال بأرجله المفلحة من الصحارى القاحلة و الوديان و الغابات ما لم تضربه سيارات أسياده الفارهة
كان يشاهد شقيقته الأمة مسعودة و هي تمتثل لأوامر أسيادها حينما تشتعل غرائز احدهم الجنسية فيطفئها دون خجل و دون أن تستطيع هي و لا حتى بلال تحريك ساكن
كانت سيدنه لالة فاطمة تناديه قائلة تعال تعال أيها العبد خذ” التأديت” و آتينا حليبنا بسرعة
كانت الأمة مسعودة هي السند الوحيد لجدة اسيادها الطريحة الفراش حيث تعد مأكلها و تمددها ذات اليمين و ذات الشمال على فراشها الوافر و تنظفها من الخارج و من” الداخل ” تجمع كل شيء و حيث الخلاء ترمي كل شيء كل شيء
أما بلال فكان عليه كل ليلة أن يقرن الحمير و عليهما يشد عربة أسياده لجلب الماء العذب من بئر أهل احمد نافع الواقع على بعد كيلومتر من الحاضرة حاضرة أسياده ” أهل سيدي محمود ”
كانت مسعودة هي المعنية الوحيدة بإعداد الطعام بما في ذلك الغداء و العشاء و الفطور
” الوحيدة لملابسهم البدوية النتنة La pressing إضافة إلى هذا كله كانت هي ”
هنا كان الواقع يرخ في وجه الشاب قائلا ترجل تحرك تحرر يا بلال
نعما صار حتما على بلال أن يتصرف تصرف مهما تكن تبعاته
كان بلال متحمسا لفكرة الهروب ليلا لذا قرر أن يكون الهروب ليلا
اخبر مسعودة بالأمر بدت مصدومة في البداية إذ كيف يمكنها العيش دون أسيادها و بعد أن استطاع إقناعها
إلى أين يمكننا الفرار سألته ؟
أجابها في همس هل تعرفين أمباركة جارية ” أهل محمد الحافظ ” لقد هربت إلى مدينة السلام و قد وجدت هناك شبه بشر شبه عالم شبه حياة و شبه منظمات حقوقية دافعت عنها حتى استعادت حريتها و هي الان حرة طليقة
إذا على بركة الله إلى مدينة السلام عسى حريتنا تنتظرنا قالتها المسكينة و هي تربت على أصابع شقيقها المرهق
و لكن كيف كيف يمكننا الفرار و عيون الأسياد تتربص بنا في كل مكان ؟ سالت ثانية و الدموع كالطوفان تنهمر على خديها
اسمعي مهما يكن عليك أن تكوني واثقة من أننا سنجتاز هذه المهمة أنا اعلم مدى خطورة المخاطرة التي نحن بصدد تنفيذها و لكن تأكدي أنها مخاطرة من اجل هدف نبيل إنها الحرية الحرية تستحق المجازفة حتى بالحياة أنا لا ادري ما إن كنا نعيش في الحياة أم الموت
المهم اسمعي لب القول الليلة بكاملها يجب أن تبقين مستيقظة و حينما اشعر أن الكل قد غط في النوم سأحدث لك حنحنة خفيفة و هي إشارة لك بالخروج و لكن بطريقة حذرة
اتفقنا ؟
_ نعم اتفقنا
ذهبت مسعودة كعادتها لتنام في زاويتها لمنزوية في الركن الأمامي المخصص خصيصا لها من المنزل مع سيدتها العجوز و ابنتيها و شقيقهما المراهق عبد الله فيما عاد بلال إلى قفصه الحطبي المتهالك و كان قد أكمل جازيته فاخذ كامل الحيطة بما في ذلك الماء و بضع حفنات من الشعير و الخبز اليابس كان قد ادخرهما متأكدا إنهما كافيتين لأقصى مسافة يسيرانها هربا
هرب قد ينجو صاحبه و قد لا ينجو و مسافة قد تطول و قد تقصر
و من يدري الله الوحيد الذي يعلم ما كان يخبئه المستقبل القريب يومها للشاب المتمرد على الواقع اللاواقعي
و في جنح من الليل حينما خيم السكون على المكان و أسدل الليل ظلمائه الحالكة ارتدى بلال سرواله الرث و لبس قميصه الممزق و انتعل نعلين من “بلاستيك” و على ظهره حزم خنشة ” لعوين” تقدم بخطى واثقة باتجاه شقيقته التي لا تنتظر منه سوى إشارة لتلحق به
و لما شعرت ببلال أصدر الحنحنة علمت أن سفارة البدء قد انطلقت وقفت و الرجفة تسري في أوصالها و تقدمت بهدوء نحوه دون أن يشعر الأسياد
تماسكا الأيادي في خفة و هدوء يلامسهما خجل لا مثيل له حتى تأكدا أنهما قد ابتعدا عن مرتع صباهم التعس عندها لاذا بالفرار
آآآآه إنها الحرية قال بلال في قرارة نفسه
في ذلك العام كان الشاب البولاري افال عمر يملك حانوتا لبيع البطيخ في مدينة السلام و كان كل أسبوع يسافر في شاحنته لجلب البطيخ من مسقط رأسه قرية ” سوكام ” الواقع قرابة أربع مئة و خمسون كلم جنوب مدينة السلام
كان بلال و مسعودة في مجازفتهما تلك أذل من الفأر و أسرع من النعامة فكلما خيل إليهما أن كلابا شرسة تلهث ورائهما ازدادت سرعتهما
عند ساعات الفجر الأولى توقفا لأخذ قسطا من الراحة بعد أصابهم الإعياء و التعب
كانت أرجلهما تتقاطر دما أشواك انغرزت في أقدامهما دون أن يشعرا
نزع كل منهما عن الأخر الأشواك ثم شربا و تناولا قليلا من الشعير
نظر كل منهما إلى الأخر في سكون و ابتسم بألم لقد شعرا أنهما اقتربا من الهدف و لما لم تنتهي الفرحة التي لم تبدأ بعد حتى شعرا بهدير سيارة قادم نحوهم
قال بلال لشقيقته مسعودة أسرعي إنهم الأسياد يلاحقوننا هيا بنا لنختبئ تحت تلك الشجرة
نظر بلال من ركن عينه إلى السيارة القادمة و قال واه أسفا لقد فشلنا أعاد النظر ثانية بتمعن لما اقتربت الشاحنة فصاح عاليا
آآآه انه افال , انه افال صاحب البطيخ لقد سرى فرح عارم في جسده كله
نعم انه افال أنا متأكد انه افال عمر
_ و من هو افال عمر قالت مسعودة و هي في حرية من أمرها ؟
أجاب بلال افال عمر هو رجل قل مثيله كان في كل مرة حينما يمر علي في شاحنته هذه لابد و أن يعطيني واحدة أو اثنتان من البطيخ انه رجل كريم فعلا هيا بنا لنعترض طريقه
توقف افال برهة لقد كان من حسن حظهما أن افال عائد ذلك اليوم من سوكام باتجاه مدينة السلام
كان افال عمر مطلع على نصف من حقيقة بلال لما مر عليه ذات يوم و هو يعد الشاي شاي الرعاة تحت شجرة كعادته جلس افال معه و احتسى كاسين من الشاي و بين الأول و الثاني كان بلال قد حدث ضيفه عن المعاناة و قساوة الحياة و لعل افال عمر فهم هموم الشاب الأسود يومها حين لمح قائلا ما أقسى الإنسان مع أخاه الإنسان ما أحوج الإنسان و لو لقليل من الإنسانية
نزل افال عمر من شاحنته و المشهد يذكره بتلك العبارات المشفقة معانقا صديقه الكادح متأثرا من مشهده و شقيقته مسعودة و من خلال عيونهما و لقائهما الماضي قرأ افال كل شيء دون الحاجة إلى سؤال
دعاهما لصعود الشاحنة فورا و لو لا بمساعدته لما استطاعا الصعود إنهما بالكاد يكونا جسدين ميتين بقلبين شبه نابضين
في طريقهما قص بلال على افال كامل المعانات التي كانا يتعرضان لها طمأنهما افال بالقول ابشرا لقد نجوتم من القوم الظالمين ستصلون مدينة السلام آمنين إنشاء الله و ما أن أنهى كلامه حتى شاهد من مرآته الأمامية سيارتان تلاحقانه بسرعة فائقة فعرف مقصدهما
و بسرعة تفوق سرعة السيارات الفارهة تلك أمر أفال كلا من بلال و مسعودة أن يختبئا بسرعة خلف مقعده حيث مكان استراحته امتثلا لأوامره و أسدل الستار
و حتى لا يشعر الأسياد بشيء خفف من سرعته حتى التحقوا به و قد أشار عليه احدهم بالتوقف ففعل
كان جواب افال عمر في محله حينما سألوه ما إذا كان قد شاهد جارية و عبدا عبقين في طريقه
رد بالقول انه شاهدهما كانا قد اوقفانه قبل ساعة و انه امتنع أن يقلهما إذ كيف يفكرا بالفرار و انتم تحسنون إليهما أحسن إحسان
تأكد القوم من كلام الرجل فعادوا أدراجهم مواصلين البحث
رجع بلال و مسعودة إلى مكانهما و العرق يلمح فوق جبينيهما الشاحبين شكرا افال على جهوده تلك
لقد أخذ افال على عاتقه عهدا أن لا يفارق العبدين المطحونين حتى يستعيدا حريتهما كاملة
إنها الإنسانية الإنسانية التي يبحث عنها بلال انه العالم الذي يحلم به
على مشارف مدينة السلام طلب بلال من افال أن يوصلهم إلى اقرب مركز شرطة يراه مناسبا لكن افال امتنع لما عرف ما سيجري وراء الكواليس رد عليه انه في حالته فعل ذلك ستعيدهم الشرطة من حيث أتيا لذا قرر افال أن يستقبلهما في بيته طيلة الأيام الأولى من قدومهما
كان غرض افال عمر من هذه الفكرة أن ينبه الرأي العام و الهيئات المعنية بالأمر
و بالفعل تم ذلك ففي الأسبوع الأول قدمت إحدى المنظمات الحقوقية شكاية إلى المحكمة تتهم فيها أسرة أهل سيدي محمود بممارسة العبودية في حق بلال و مسعودة منذ ميلادهما منذ عشرون سنة و كان ما كان أن تمت المحاكمة و نال بلال و مسعودة أخيرا حريتهما دون شرط أو قيد إلا أن الأسياد لم يطبق فيهم القانون فسرعان ما أطلق سراحهم بواسطة رجل أعمال نافذ في الدولة ينتمي لقبيلتهما قبيلة “أولاد الظل”

بلال و مسعودة و المدينة الجديدة
في البداية تكفلت إحدى المنظمات بتوفير السكن لبلال و مسعودة إضافة إلى تمديدهما ببعض الحاجات الضرورية كالطعام و الدواء و الملبس و بعض المال
و سرعان ما تم دمج مسعودة في مركز نسوي مختص في فن الخياطة أما بلال فقد لجئ إلى مهمة الحمالة التي وجد أن غالبية ممتهنيها ينتمون إلى نفس الشريحة الكادحة التي ينتمي إليها
عمل في هذا المجال لمدة ثلاثة اشهر إلى أن حصل على مبلغ مالي لبأس به استطاع من خلاله اكتراء بيتا في حي شعبي من أحياء المدينة الهشة ثم اشترى له فراشا مستعملا و مخدتان و بعض المستلزمات المنزلية الضرورية الضرورية جدا
و بمساعدة من زميله في العمل محمود فقد استطاعا معا إيجاد وظيفتا حارس في إحدى المؤسسات التابعة للحكومة
كان محمود يمتلك سكنا غير شرعي في حي من أحياء الصفيح بالمدينة و قد أسس بيتين من الصفيح بعد أن استفاد من مؤخرا من بقعة أرضية على مشارف المدينة في إستراتيجية جديدة للقضاء على ظاهرة الإحياء العشوائية
تزوج محمود من مسعود ثم انتقلت إلى بيتها الجديد و سرعان ما لحق بهما بلا و بفضل خبرة مسعودة في فن الخياطة فقد استطاعت فتح محل تمتهن فيه تلك الحرفة و ذلك من خلال مساعدة مادية قدمها لها زوجها و شقيقها بلال
و تمضي الأيام و يتزوج بلال و تنجب مسعودة ابنا ( لو كان بنتا لكان اسمها ” الحرية ” دون شك) فتطلق عليه اسم افال عمر افال عمر الذي كان سندا قويا في اجتيازهما مغامرة التحرر تلك يكبر الولد فيتم إدخاله قسم السنة الأولى ابتدائه
يعود بلال ليتأمل قليلا بين استغلاله في الماضي و استقلاله في الحاضر فيجد أن لا شيء خير من هذا الأخير
اليوم الولد الصغير افال عمر يسائل بلال خالي ما الفرق بين الاستقلال و الاستغلال ؟
يرد بلال الاستقلال يا بني يعني الحرية أما الاستغلال تعني أن لا حق لك حتى في الأكسجين .

بلال و مسعودة و المدينة الجديدة
بقلم السالك ولد الناه

Advertisements