الدكتور محمد عبدالله لحبيب يكتب :جائزة العبودية.. برام مرة أخرى

altalt. إن الذي اعتلى المنبر خطيبا في الأمم المتحدة يتسلم جائزتها لحقوق الإنسان كان يرتدي دراعة بيضاء مزركشة بخياطة محلية، وكُمَّا قميصها يمتدان على طول ذراعيه مع خياطة تنميه هو الآخر إلى سوق كبتال.

القماش الألماني الذي خيطت منه ملابس الأربعيني الأسود محتَكر لتجار كرش البطرون في عاصمتنا الغارقة في رقها الأبدي للسيول والأوساخ وصغار الباعة، ورأسماليتنا الغبية.

جائزة لموريتانيا

كتبت من قبل عن بيرام ولد الداه ولد اعبيدي بطعم الرق والسجن والشرطة، واليوم أكتب عن برام بطعم الرق والحلم و”بزاه أورويا” وجوائز الأمم المتحدة.

سيقول الأسياد كلمتهم الأثيرة، وهل من حق العبيد لبس ما يلبسه أسيادهم؟ فلم نقرأ في مندوبات الزينة أن العبد الأسود ممن يسن لهم ارتداء الملابس البيضاء؛ فليسوا أئمة علماء، ولا سلاطين ولا قضاة، ولا حتى ذوي بُعول، يطلب منهم فقهيا حسن الثياب.

وبالكاد يكونون مصلين، من درجة ثانية، لا تجب عليهم الجمعة التي يسن لها لبس البياض.

لم تخلق الجائزة لينالها برام، ولا صممت على مقاس أحد، مثل الملابس التي نرتدي جميعا، كل الرجال يلبسون ذات المقاس تقريبا. الجائزة خصصت لأكثر الأصوات بحة في عامها، وأكثر الوجوه شحوبا في ملف كثر تجارُه ومرتزقته.

ولو أن أحد لابسي ذات الملابس ببشرة  غير سوداء ظهر بالملامح الشاحبة، وخاض المعارك الكلامية التي خاضها برام في قضية الرق لربما استحقت سحنته الدخناء وصوته الأجش وملابسه الصعود إلى منصة الأمم المتحدة بدل غراب نحس البيظان الذي اعتلى المنصة لابسا ثيابهم متحدثا بلغتهم، عن أزماتهم التي يعَضُّون عليها النواجذ ويعيدون إنتاجها بإصرار يحسدهم عليه الغَباء. هي لغتُهُ وثيابُهُ أصالةً قبل كثير منهم.

صعد برام إلى منصة التتويج وعليه دراعة، وبيده خطاب باللغة العربية. أسمع أصواتا موريتانية متعددة. السلفيون وكلهم، أو جلهم، بيض الوجوه “كريمة أحسابهم”. الزنوج حضروا أيضا، وهم سود، لكن بين القتلى والمفقودين مسترِقُّون، جاؤوا وعبيدَهم إلى ذات المقاصل. ولو قال كلمة واحدة عن غوانتنامو لزغردت الدنيا.

وضرب المارد الأسود وتره الأبدي، فصدحت أنات الإماء والعبيد، مرددة مع الكون أصداء الصراخ الحزين؛ عويل أم أجاءها المخاض إلى جذع شجرة في قفر  ترعى فيه غنم سيدها رب النطفة والغنم، المتسهتر بأوامر رب الأمة ورب الغنم ورب النطفة ورب السيد.

ارتقت موريتانيا منبر الأمم المتحدة، أكثر من مرة وألقت كثيرا من الخطب من على ذات المنبر، لكنها كانت صامتة طيلة خطاباتها التي تعد بالعشرات على ذلك المنبر.

حضرت موريتانيا من قبل بخطابات منمقة بلغة الضاد، وبدلات وربطات عنق، وربما دراريع، ومسؤولين ذوي حناجر رعدية، لكن موريتانيا ظلت صامتة كل تلك الخطب، وتلك البدلات والدراريع. اليوم، واليوم فقط، ومن على منبر الأمم المتحدة، وبدراعة واحدة تحدثت موريتانيا، نطقت، قالت إن لديها عبيدا، وإن عندها إماء، وصدقت بعض الشيء. وقالت إن عندها من هم في حكم العبيد والإماء، لأنهم، أو لأن آباءَ مَن لهُ آباءُ مِنهم، أو أمهاتهم، كانوا رقيقا, وصدقت هنا، وصدقت، ثم صدقت.

نالت موريتانيا إذا الجائزة بعبوديتها، واستحقت لقب عاصمة الرق في العالم الحديث. أسوأ شيء أن تنال الجوائز لأنك سيء. هذا يغريك بأن تبقى سيئا ما استطعت، ويغري الذين يحصدون الجوائز من سوئك، أن يحاولوا استبقاءه.

إغراق الجسور

بين كتابتي عن برام ولد الداه ولد اعبيدي جرت مياه غزيرة تحت جسور كثيرة، وربما غمرت المياه جسورا وقناطر  كان برام يمشي عليها ذات يوم وأغرقها، أو أحرق أساساتها مع ما أحرق من تراث البلد، ورأسماله الرمزي غداة سكرة نضال.

وسويت بالأرض تحت الماء والنار قلاع كان برام قد شادها أو شيدت له في نفوس كثيرين، أجدني مرغما على القول إنني منهم.

هوى برام مع الجسور والقلاع التي شادها وشيدت له حين أهدى أعداء القضية التي ينال بها الجوائز والتكريمات، فرصة الربط بين مناهضة العبودية ومناهضة الدين، حقيقة أو ادعاء. (من يَهْتَمُّ للتفصيلات؟) وهو ما يعني بالضرورة الربط بين ممارسة العبودية والخضوع للدين، وفقا لقانون منع ارتفاع النقيضين.

نسي برام أو أوهم نفسه بذلك، أن الضحايا الحقيقيين أكثر  قبولا بالخضوع للدين عن طيب خاطر، حتى ولو كان فيه سلب حريتهم، من ممتهنيهم.

وأن المجرمين بإمكانهم تكييف الدين، أي دين، مع جرائمهم، وتسويغها بأدلته التي تُحرمها. أي سلب حرية الضحايا بإيهامهم أن عبوديتهم دين، بل هي الدين المرتضى من خالقهم.

وكان برام على موعد مع هاوية أخرى في موعد محرقة التراث الفقهي حين خرج منها مصافحا حاكما عسكريا طالما استوطن قلاع الهجوم عليه، بوصفه مكرسا للاستعباد.

الظاهر أن المصافحة والمحرقة كانتا في صالح نظام الاستعباد؛ فقد كانت الأولى فرصة لصرف النظر عن المطالبة بإسقاطه، بل فرصة لبناء جسر كلامي إلى قلوب من يعتبرون أنفسهم، صادقين أو  مستفيدين، ضحايا المحرقة.  اعتلى ولد عبد العزيز غداة مسيرة المعارضة منبر أمير المؤمنين بعمامة مسيلمة ليعلن تطبيق الشريعة في برام.

وكانت المصافحة قنطرة إلى قلوب بعض من يرون أنفسهم، صادقين في الغالب، ضحايا ضحايا المحرقة. جاء برام في هودج سجاح إلى حديقة نبي اليمامة، وكان سهلا على من يقرؤون الأمور بمنطق التآمر أن يقولوا إن الزَّفَّة مجرد إعلان لزواج قديم. وكان سهلا عليهم أن يقولوا أيضا إن إحراق كتب الفقه المالكي واحدة من مائة خطوة تنتهي بالتتويج على منصة دولية.

جوائز الإنس والجن

إن الجوائز لا تنال بالتمني، ويندر أن تمنح على النضال وحده، وإلا لأثقلت النياشين صدر الرائد الرصين بوبكر ولد مسعود، وذي الصوت الجهير مسعود ولد بلخير، أو الساموري ولد بيه أو بلال ولد وزرك.. غالبا ما يأخذ أرباب الجوائز ثمنها أو تعهدا ملزما به، قبل أن يصعد المتوجون إلى المنصات.

تحضرني هنا قصص لنجوم غناء رفضوا دفع أموال مقابل إحدى الجوائز لكن مديري أعمالهم المهرة أقنعوهم بإحياء حفلات يتوج في ختامها النجوم، ويكون ريعها لـ”معطي” الجائزة. لا يُغرَّر بنجوم الغناء في مثل هذه الأشياء إلا أن “من خدعهم في الجوائز انخدعوا له”.

ولا تغيب عني قصص الثقافة المحلية بشأن الأثمان التي يدفعها المخدَّمون (المتعاملون مع الجن) من تديُّنِهِم، أو من ذرياتهم، وغالبا ما تنتهي بمآسي تأخذ معها حياة الأبطال، حين ينتهي دورهم.

هذا طالبه رئيُّه من الجن بـ”عظم” ساقه  ليدخن فيه، وآخر  طلب إليه الخادم الجني جلده سِقاءً، وثالث بنتَه، ورابع زوجته أو أمَّه.

ربما تكون جوائز الدوائر الغربية ذات العلاقة بالسلام وحقوق الإنسان والإبداع، أقرب إلى النموذج الجني؛ فالمُوَكِّلون لا يظهرون إلا نادرا، وغالبا ما يكون تدخلهم عند الأزمات حاسما وخارقا.

وتكون مطالبهم عادة مرتفعة التكاليف بالنسبة لوحدة الشعوب وسلامِها وقيمِها. جوائزهم تعطي الشرعية وتدفع إلى صدور المجالس، وتقضي الحوائج بيسر، ورغباتهم عميقة جدا كأنفاس الدخان الممزوجة بمخ الساق. يصعب عليك استساغة الماء حين يكون جلدك قربة، لكن الموت عطشا يحتاج إلى إيثار كعب ابن مامة.

ومع هذا نال الجوائز كثيرون ولم يستأسروا لها، واختاروا الموت على الخيانة فامتدت إليهم الأيدي التي وشحتهم، بسُمٍّ لا ترياق له. غابوا وغابت معهم أسرار أثمان الجوائز الغريبة؛ ما دفعوا منها وما بقي في ذممهم وما رفضوا دفعه.

أرجو أن يكون صديقي برام واعيا بالثمن الذي سيطلب منه، إن لم يكن طُلب فعلا، وأن يتجرع كأس السُّم  حين يكون الخيار بينها وبين ثمن لا يمكن للوطن أن يتحمله.

ولو أننا أعطينا إخواننا حقهم وتواضعنا لهم قليلا، وأعدنا إليهم كرامتهم المسلوبة ظلما، لما وجد أصحاب الجوائز ما يرغبونه ثمنا لنياشينهم، قَبِلَ برام دفعه أو رفض.

http://essirage.net/index.php/news-and-reports/14870-2013-12-26-11-08-15.html

Advertisements