انتخابات …انتخابات ! ح1 / محمد ا. ولد موين

الانتخابات البرلمانية والبلدية الحالية ثم وصفها في أكثر من مرة بالمسرحية الهزيلة… وهي بالفعل مسرحية لكنها غير هزيلة..!
انها مسرحية مكتنزة بألوان فنية زاخرة من النوع العدمي والعبثي بامتياز..من النوع الذي سيعجز كافكا في أكثر شطحاته جنونا عن محاكاته حيث خالفت الأحداث المتتالية والتفاعلات السياسية ومنذ أول يوم قانون السببية وعلاقة الفاعل والمفعول لتنتج سلسلة لامتناهية من الغرابات والقباحات.
لا يمكن لمن يمعن النظر في هذه الانتخابات تحضيرا وحملة واقتراعا إلا ان يتبنى نظريات الدكتور بريكوجين القائلة بوجود منطق خفي في التسلسل العشوائي للأفعال السياسية غير المبررة والتي يعسر على الفهم التقليدي والذائقة البسيطة وجود تبرير لها !
هناك ثلاث توجهات أساسية سيطرت على الساحة السياسية المتأزمة منذ سنوات طويلة وهي :
المنسقية التي تريد انتخابات مقنعة يطمئن الجميع لها ويقبل الكل نتائجها ….ثم هناك النظام الحاكم الذي يريد تأبيد الأمر الواقع وإكسابه ان أمكن الحد الأدني من المقبولية والمشروعية دون تقديم ضمانات حقيقية قد تؤدي الى هزيمة انتخابية توافرت للعين المجردة كل شروطها الموضوعية .. وبين الطرفين هناك ما يسمى بالمعاهدة التى تبحث عن هوامش تكفل لها البقاء في الفضاء السياسي وتزعم عبر مبادرات يتم تحيينها بين الفينة والأخرى انها تلعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر وفي الحقيقة كل مبادرات مسعود ورفاقه مجرد مناورات لتلميع صورة باهتة ..!
مناورات مسعود موجهة للاستهلاك اليومي ولم تكن أبدا جدية لافتقادها ومنذ الوهلة الأولى للمنطق فمسعود سيشارك في الانتخابات في كل الأحوال !
لم يقبل النظام أي رقابة محايدة او دولية على الانتخابات …لم يقبل النظام أي حكومة توافقية …لم يقبل النظام حتى النظر في اللوائح الانتخابية… ومع كل ذلك ابتلع مسعود مبادراته وشارك في هذه الحملة التي يعرف ومنذ اليوم الأول نتائجها الكارثية !
خلال التفاوض بين النظام والمنسقية باغت حزب تواصل المراقبين بخروجه على إجماع المنسقية وقرر المشاركة في هذه المهزلة متنصلا من ميثاق الشرف ومن العهود المكتوبة والموثقة بعدم الإذعان لاملاءات الأجندة الأحادية !
أضعف تواصل ببرود مشاعر بل وبغدر سياسي غير مسبوق المركز التفاوضي للمنسقية ولم يفعل ذلك مجانا فمشاركة هذا الحزب خدمة مدفوعة الثمن أسداها للنظام الحاكم بعد مباحثات تحت – أو بقرب- الطاولة متقصدا في استراتيجية واضحة المعالم شغل الكراسي المتروكة والبلديات المهجورة كي يقدم نفسه في قادم الأيام كبديل لرفاقه وكأن خلافه الرئيسي كان مع من وقع معهم مواثيق شرف وعهود جلية يعرفها الجميع ومتوفرة للجميع بالصورة والصوت والحركة والإيماءة !
الحملة الانتخابية اتسمت بالفوضوية والغرابة فلم يقع أي نقاش فكري او سياسي ويمكن القول ان أكثر النقاشات صخبا اتسم بالقبلية حتى في الأماكن التي تم فيها تجاوز الأطر القبلية ومنذ زمن بعيد !
نسبة الناخب الموريتاني الذي شارك في التصويت لم تتجاوز ثلث الطاقة الناخبة فكثيرون لم يسجلوا انفسهم على لوائح الناخبين بسبب الجو السياسي الملبد وجل من اهتم بالآمر كان بدوافع قبلية بحتة ويتجلى ذلك في تصويته لأحزاب مختلفة…. وكلما سألت احدهم قال لك في اللائحة الوطنية سأصوت لفلان من الحزب الفلاني وفي البلدية لعلان من الحزب العلاني.. بل وتجد نفس الشخص المشارك يرفع أعلام كشكول من الأحزاب المتناقضة والمتشابهة ففي هذه الانتخابات لا وجود للأحزاب والأفكار بل للأشخاص والقبائل !
النظام يعرف انه لن يخسر أي شيء له قيمة في هذه المنافسة المحسومة سلفا ..لكن ذلك لم يجعله يتورع عن القيام بسلسلة طويلة من التصرفات غير الطبيعية…مثلا تم ابتداع التصويت العسكري وعادت الثكنات للقيام بدور ميليشيات انتخابية وأصبح بمقدور أي شخص ان يعرف عدد العساكر وأماكن تواجدهم !
تم إقحام كبار رجال العسكرية والإدارة في العمل السياسي …ثم ابتزاز عدد كبير من الموظفين بما فيهم رجال القضاء وتسخيرهم لأحزاب الدولة !
أيضا لم يترفع وزراء الحملة عن العدوان اللفظي والتهديد لسكان الأرياف بل وصلوا في وقاحة نادرة إلى تهديد قبائل كاملة ومحاولة إذلالها في مضاربها وبين ديارها !
ثم جاء الأهم وهو الاقتراع نفسه لا لينقشع الغبار بل ليتفاحش في شكل زوابع لم يصل إليها خيال جامح من قبل !
تم تمديد فترة التصويت بعد الآجال القانونية في أكثر من مكان وتواصل الاقتراع لمدة يومين !
لم يستلم احد نسخة واحدة موقعة من محضر اقتراع في كل مكاتب التصويت وعلى كامل التراب الوطني !
الامتناع عن تسليم المحاضر لم يكن صدفة بل هو أمر مدروس لأن وجود نسخ موثقة من المحاضر سيحرج برمجية تم تنزيلها في كمبيوترات اللجنة المستقلة للانتخابات وهي برمجية ملعوبة تفرز نتائج غريبة ولا علاقة لها بالواقع !
لذلك لاحظنا في أكثر من مكان تجاوز عدد المصوتين لعدد المسجلين على القوائم الانتخابية !
تم طبع قسائم الانتخابات وبطاقات الاقتراع عند شركة بريطانية حكم عليها القضاء البريطاني بتهمة التحايل وهي نفس الشركة التي استخدمت تقنياتها العجيبة في تزوير انتخابات عديدة في بلدان افريقية بما فيها موريتانيا نفسها !
في المحصلة النهائية آل الأمر لمساومات فضائحية تتم في وضح النهار وتمت مراجعة أكثر من مكتب وأكثر من دائرة وأدى ذلك الى زعزعة الثقة ليس في صدقية الانتخاب وحسب بل في سلامة أذهان القائمين عليه الذين عجزوا ولمدة أكثر من عشرة أيام متتالية من النقاش والمساومة عن فرز نتائج نهائية للشوط الأول ثم تم إدخال المجلس الدستوري للبت في عشرات الطعون وأصبح من الضروري تأجيل الشوط الثاني بما في ذلك من خرق لنص القانون الانتخابي !
مسعود يسمي اللجنة المستقلة للانتخابات بلجنة “الخروطي” ثم يتهمها بالرشوة والفساد و”اقرط واسكت ” والنائب بداهية يتعرض للسحل في شوارع نواذيبو وحزب التحالف رغم كل ذلك يواصل المباراة الغريبة…!
تواصل يتهم الحكومة بالمفرد والجملة بتزوير الانتخابات والسطو على إمكانات الأمة ويواصل الانتخابات !
وزراء وجنرالات يتهمون تواصل بالظلامية والإرهاب وبسرقة الصدقات والعمالة لقوى أجنبية ويواصلون الانتخابات !
هل هناك غياب لعنصر المنطق أكثر من غيابه في كل هذه المشاهد السالفة ؟
لقد زادت هذه الانتخابات الأزمة الموريتانية ورفعت وتيرة الاحتقان والتوتر وهو ما سيدفع لا محالة أغلب الشباب وذوي النية الحسنة إلى التطرف والراديكالية فإفلاس المنظومة السياسية –وهو ما حصل – سيؤدى حتما لتفاعلات ستعصف بالبلد وباستقراره وبمؤسساته المهزوزة وعديمة المصداقية والوضع الدولي والإقليمي ونذر التحيزات العرقية والفئوية كلها تؤكد اننا دخلنا في مسار مظلم وخطير!
ان شعب موريتانيا يستحق ان يختار قياداته دون ان يصادر احد خيارته ..دون ان يعتدي احد على إرادته ويحولها لملهاة مريرة !
على كل حال كانت مسرحية مسلية للمشاهدين وأهل الذائقة حيث أظهرت الكثير من التناقضات النفسية لشخوص العبث السياسي بشكل صاخب ويقطر بكوميديا مرة وتستحق في جوانبها الدرامية المفزعة شيئا من الإشادة والتنويه !
لقد أسدل الستار الآن وسقطت الأقنعة وصار لزاما على الجميع البحث عن مخرج جدي لهذا الشعب الرائع الذي ارتهنه الممثلون في قطعة مؤسفة من قطع التيه والعدمية !

يتواصل

 

Advertisements