خلاصة تجربة / عبد الفتاح ولد حبيب

Abdel Fetah Ould Habib“يمكنك دائما انتظار وقت أفضل؛ يمكنك دائما أن تجرب شيئا يتناسب أكثر مع مواردك. تذكر: التاريخ مليء بجثث الناس الذين تجاهلوا التكاليف. وفر على نفسك المعارك غير الضرورية، وعش لتقاتل يوما آخر.” روبرت غرين – 33 استراتيجية للحرب

كتبت هذا المنشور على الفيسبوك بداية فبراير2011 :
“نجحت الثورة التونسية ثم المصرية بعد ذلك بفترة وجيزة، فبدأت شعوب المنطقة تتطلع لغد أفضل بعد أن أصاب الإحباط كثيرا من أبنائها، وبعد أن ظلت لفترة طويلة تعيش تحت وطأة الاستبداد والظلم والقهر.
نجح قبل ذلك الأتراك من خلال الأحزاب والمجتمع المدني في إنشاء اقتصاد قوي وديمقراطية وليدة، استطاعوا من خلالها إبعاد العسكر عن الحكم.
وقبل الأتراك نجح الإسبان في الانتقال إلى الديمقراطية عن طريق المصالحة وقاد الملك إخوان كارلوس بنفسه عملية التحول. هناك إذا نماذج ناجحة مختلفة لانتقال ديمقراطي: النموذج التونسي والمصري (قيد التشكل)، النموذج التركي والنموذج الإسباني.
أي النماذج السابقة أصلح لنا وأيهم بإمكانه التحقق وكيف نساهم في تحقيقه؟”

انطلقتُ بعد ذلك بأيام في الخيار الذي اتفقتْ عليه مجموعة من الشباب الموريتاني، وحددت لبدايته تاريخ 25 فبراير، محاولين بذلك الاستفادة من الربيع العربي، وقد شاركت منذ ذلك الحين في التنظير والتخطيط لأنشطة ميدانية عدة، كما شاركت في مختلف الأنشطة المعارضة سواء كانت للمنسقية أو للحركات الشبابية أو الحقوقية.
كنت أعرف أن هدف هذه الأنشطة هو فتح حوار مع المواطنين لإيصال رؤيتنا لهم حول المواضيع المثارة، ولمعرفة رأيهم حول طريقة المعالجة، وأنه علينا أن نكون قادرين على فهم ردهم والتعامل معه بما يناسبه.

لقد خرج مع حركة 25 فبراير في سنة 2011 أساسا مجموعة من الشباب المثقف الحالم بغد أفضل، وخرج في حراك المنسقية سنة 2012 أنصارها من المؤدلجين حزبيا أو المرتبطين بها، كما خرج بعض المغاضبين على النظام من فلول الأنظمة السابقة، مما يعني أننا لم نشهد حراكا ثوريا لا في نوعيته ولا طريقته حيث ظلت جل أنشطة المنسقية تتم في إطار المسار الدستوري وبترخيص من النظام.

أتيحت لي فرصة أخذ مسافة من الأحداث في الأشهر الأخيرة حيث تركت حركة 25 فبراير لأسباب داخلية وأخرى خاصة، وقد استفدت من ذلك في محاولة فهم الصراع في موريتانيا : جذوره، أطرافه الحالية ودوافع كل منها، والمسارات المحتملة. وعند الوصول للمسارات المحتملة للصراع برزت أمامي أسئلة يتحتم على كل الجادين من المنشغلين بالتغيير الإجابة عليها، خصوصا أولئك الذين يتجاوزون الشعارات، ويعون إمكانات قوى الرفض، ويقدرون موازين القوة، وهي:
– ما هي حصيلة تجربة محاولة الاستفادة من الربيع العربي؟ وما مدى جاهزية الشعب الموريتاني للثورة؟ وهل يمكن التخطيط للثورة؟ ومتى يمكن توقعها؟
– ما هو دور الجيش في التغيير، ما دام هو الماسك بالسلاح والمتفرد بالقوة العسكرية؟ وهل يمكن للانقلاب أن يكون حلا؟ وكيف تتم التهيئة له في تلك الحالة؟ وكيف يمكن الاستفادة منه؟
– هل من الممكن هزيمة النظام في الانتخابات؟ وهل من الممكن فرض قبول النتيجة عليه؟ وكيف يمكن توحيد قوى المعارضة لتحقيق ذلك الهدف؟ وما هي الوسائل التي يمكن من خلالها منع التزوير؟ وهل يمكن أن تكون قوة الشارع هي المانع؟
وإذا كانت هذه الحلول أو بعضها غير ممكنة أو غير مجدية، فماذا يمكن تحقيقه الآن وماذا يمكن إصلاحه وما هي الوسيلة الأنجع لذلك؟

لا شك أن محاولاتنا للثورة في موريتانيا فشلت، وأن الظروف الإقليمية اليوم لا تبدوا مساعدة، فالموجة الأولى للربيع العربي انتهت والثورات تواجه مشاكل وتحديات في البلدان التي انطلقت منها، كما أن هناك عوائق داخلية ظهرت جلية في المحاولات الماضية منها التنوع العرقي والقبلي وانعدام الثقة بين المكونات المختلفة، وكذلك الخلافات العميقة بين أهم أحزاب المعارضة وغياب استراتيجية شاملة للتعامل مع مختلف الاحتمالات.
فهل كان بالإمكان مثلا، مع وجود تلك الاستراتيجية، الجنوح للحوار الذي تتم الدعوة له اليوم، أيام قوة الحراك المعارض سنة 2012؟ وهل كان بالإمكان الاستفادة من غياب ولد عبد العزيز عن المشهد أيام رصاصة 13 أكتوبر لدفع الجيش للانقلاب؟ وهل كان بالإمكان الاتفاق على موقف موحد للمعارضة من انتخابات 23 نوفمبر؟

أعتقد أنه كان على المنسقية أن تخطط كيف ستنهي معركة الرحيل وأن تتوقع كل الاحتمالات نصرا أو حوارا أو انسحابا مشرفا، فالنهايات غير المكتملة أو الفوضوية التي نراها الآن سيظل صداها يتردد لسنوات.

وعلى ذكر النهايات واستراتيجيات الخروج وفض الاشتباك، فإنني اليوم، انطلاقا من إجاباتي الشخصية للأسئلة السابقة، ومن تجربتي الميدانية وقراءتي للواقع، ومن قناعتي أن التغيير سيأخذ وقتا طويلا، وأن الظروف الحالية غير مناسبة لتحقيقه، فسأكون مهتما في المرحلة القادمة بالعمل المدني بالتوازي مع السياسي، وسأكون مستعدا لمساعدة كل مسعى للإصلاح رغِبَ أصحابه في ذلك وتبينت لي إيجابياته، مهما كان انتماؤهم، معارضة كانوا أو موالاة.

ولعل من أهم ما كسبتُ في المرحلة الماضية، هو التعرف على كثيرين جمعني معهم النضال والبذل من أجل الوطن، وإن اختلفت السبل بعد ذلك، فسيبقى من الثقة والاحترام ما سيكون مفيدا في المستقبل لبناء غد أفضل لبلدنا الحبيب موريتانيا

Advertisements