أكاديمية كيس الأرز / عبد الرحمن ودادي

عبد الرحمن ودادي

عبد الرحمن ودادي

في النصف الثاني من الثمانيات كنت شابا مراهقا أو بالأصح طائشا.

بصراحة لا استطيع وصف احوالي في ذلك الوقت ، ليس عجزا عن التعبير و لكن خجلا من تذكر ذلك الشاب المتهور .

تعرفت في فترة قصيرة على كل رواد الطيش في البلد و اصبحت علما من اعلامهم في العاصمة.

كانت رياضتي المفضلة الأثيرة اهمال نصائح الأهل و الأحبة .

ما انقذني من نفسي اغرب مما يتصور الجميع.

انه كيس من الأرز.

كان في المحل المجاور لبيتنا كيس من الأرز يستند على صناديق علب الحليب .

كان ملاذي من جو البيت المكفهر …

في ذلك المكان تخيلت نفسي و انا رديف غيلان ذي الرمة على “صيدح” نسابق الريح ، في ذلك المكان حبست دموع الحزن و انا استمع لمرثية مالك بن الريب لنفسه و ضحكت الى حد الجنون من هجائية ولد ابنو ولد احميدة للتاجر الشامي و استغرقت في التفكير لفهم مغاليق “العاقرات ” و الغازها و حفظت اول قصيدة طويلة في حياتي : يا معشر البلغاء ……

على ذلك الكيس اكتشفت اعظم روائع الادب العربي نثرا وشعرا ونهلت من معين لا ينضب .

كان كل العاملين في البقالة فتيان بما تحمل كلمات الفتوة من معاني نبيلة، اما عميد الاكاديمية الذي كنت احرص على انتظاره كل يوم فكان عجوزا في أسمال رثة يحمل على رأسه بعضا من النعناع و الزبادي ، يمر لدقائق قليلة ليبيع بضاعته و يحسم بعض الخلافات في شرح بيت أو سيرة شاعر أو تبيان معاني كلمة غامضة.

بكل صدق درست قبل أكاديمية كيس الارز و بعدها في الكثير من المدارس الجيدة و تربيت على يد والد يعشق التاريخ و الفكر الاسلامي والفلسفة ولكن الحقيقة ان ميولي للشعر و الأدب لم تتفتح الا على ذلك الكيس.

تحية للذين اكتشفت ان اجدادهم اصحاب اول بيت من الشعر علمني اياه ابي ايام كنا في الخارج لأواجه كل من ينكر عروبة بلدي:

إنا بني حسن دلت فصاحتنا……..انا الى العرب الاقحاح نتسب

ان لم تقم بينات اننا عرب………ففي اللسان بيان اننا عرب

تحية للفتيان الحسنيين الشرفاء الذين فاقوا في معرفتهم حملة اكبر الشهادات وحرموا من فرص العمل في القطاع الحكومي بسبب سيطرة لغة المستعمر على مفاصل الدولة و لم يبق أمامهم سوى مكابدة شظف الحياة في وطن لا يحترم العلم و لا المعرفة.

Advertisements