ما قصة موريتانيا مع العبودية؟

بقلم: حازم صاغيّة

مؤخراً أصدرت «مؤسسة سرْ حرّاً» الأستراليّة تقريراً شاملاً عن العبوديّة لا يمكن وصفه بأقلّ من خطير. هذا التقرير الذي تناول 162 بلداً في العالم، تحدّث عمّا أسماه «الجريمة المخبّأة»، كاشفاً الحقيقة المُرّة وهي أن نحواً من 30 مليون إنسان يعيشون على كوكبنا لا يزالون يعيشون عبيداً. فما ظنناه شيئاً من الماضي الميت المتروك لكتب التاريخ وحدها، لا يزال، لشديد الأسف والعار، حياً يُرزق بين ظهرانينا.

فإذ يواجه العالم المتقدّم، الذي يبني مجتمعات تعددية، مسألة العنصريّة، وأولُ المواجهة طرحها على الطاولة والإقرار بها من أجل مناقشتها ومحاولة تذليلها، تبقى العبودية جزءاً من حياة البلدان الأقل تقدماً، تماماً بقدر ما تبقى بعيدة عن الضوء والنقاش. وهذا علماً أن العبودية أفظع أشكال العنصرية، إذ هي لا تكتفي بإجازة التمييز بين بشر وبشر تبعاً للون والإثنيّة والدين، بل ترفع هذه الإجازة إلى سوية الامتلاك والتشيىء البحت للمملوك. وعلى ضوء هذه العلاقة من الملكية يمكن للبشر، فضلاً عن البيع والشراء، أن يتعرضوا للضرب والإذلال والاغتصاب والتأجير وغير ذلك. وهذا كله إنما يتضاعف إن كان العبد المملوك أنثى.

«مؤسسة سرْ حراً»، التي يدعمها ويدعم تقاريرها بعض كبار السياسيين والسياسيين السابقين في الغرب، مثل وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون ورئيس الحكومة البريطانية السابق توني بلير، بنت استنتاجاتها التي يحتويها التقرير على فهم عريض للعبوديّة. فهي تشمل الاستعباد الذي يترتب على عدم سداد الدين، كما تشمل أعمال الزواج القسري والاتجار بالبشر. كذلك يطال التقرير فئتي العبودية: أولئك الذين توارثوها عن آبائهم وأجدادهم، وأولئك الذين حلّت عليهم من دون أية سوابق. وهي في الحالات جميعاً، تولي البُعد الثقافيّ للمسألة ما يستحقه من أهميّة.

لكنّ التقرير يقول أيضاً إنّ موريتانيا، أو جمهوريّة موريتانيا الإسلاميّة، هي بلد العبوديّة الأول في العالم من حيث النسبة السكانية، إذ إن 4 في المئة من سكانها يُعدون عبيداً، علماً بأن الهند هي البلد الأول من حيث العدد الإجمالي، إذ يُقدر العبيد هناك بـ14 مليون إنسان. أما البلدان الـ10 التي تتصدّر قائمة العبودية، تبعاً لنسب العبيد المئوية من إجمالي السكان، فهي: موريتانيا، هايتي، باكستان، الهند، نيبال، مولدوفا، بنين، ساحل العاج، غامبيا، الغابون. ويُلاحَظ في هذا التعداد أن الدول الآسيوية والإفريقية، الأقل تعرضاً للحداثة والأفقر، إنما تحظى بحصة الأسد.

لكنّ اللافت للنظر في موريتانيا -التي نالت استقلالها عن فرنسا في 1960- أن العبودية مُنعت فيها رسمياً ثلاث مرات كان آخرها في 1981 بعد حملة اعتراضات واسعة نجمت عن بيع إحدى النساء. هكذا بات ذاك البلد آخر بلد بين بلدان العالم كله يحرّم العبودية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ في 2007 صدر قانون آخر يجرّم ملكية العبيد ويهدد المالكين بالسجن وبالغرامات المالية الباهظة.

ومع هذا ليس من المعروف أن أحداً عوقب في موريتانيا، فيما العبودية نفسها لم تتوقف. وقد تأكد في هذه الغضون أن القرارات والقوانين التي أصدرتها نواكشوط لم تكن للتنفيذ أصلاً، بل هي معدّة لتحسين صورة موريتانيا في الخارج، أمام حكومات الغرب ومنظماته الإنسانية فحسب. ولهذا تُفرض القيود المتشددة على الجماعات الأجنبية التي تحاول زيارة البلد لتعقب مسألة العبودية وإجراء البحوث عنها، فلا يبقى أمام هؤلاء إلا جمع المعلومات بطرق سرية.

وهذا ما يقود إلى الربط بين استمرار ظاهرات مشينة كالعبودية وبين امتناع الدولة عن أن تكون دولة، تحترم ما تتعهّده من قوانين أو قرارات. لكنه يقود إلى ربط آخر بين الحرج الذي تحسه حكومة كحكومة موريتانيا وبين الضغط الذي قد يمارسه هذا الطرف الغربي أو ذاك.

وعلى العموم، استمرت العبودية في موريتانيا على رغم تغير الحكام والانقلابات العسكرية، وكان آخرها انقلاب 2008 الذي قاده العقيد محمد ولد عبدالعزيز الذي ما لبث أن «انتُخب» في 2009 رئيساً لتلك الجمهورية. وفي موازاة استمرار العبودية، وعلى رغم انقضاء أكثر من نصف قرن على استقلال موريتانيا، استمر الفقر بمعدلات فلكية يفتك بالسكان، إذ يُقدر أن 20 في المئة من السكان يعيش واحدهم اليوم على 25,1 دولار يومياً!

غير أن العبودية المتعددة المصادر تنهض على نوع من الانشقاق الإثني ما بين «المرابطين البيض»، وهم قاعدة الثروة والسلطة الذين تشكّلوا من تلاقح العرب والأمازيغ (البربر)، و«المرابطين السود» من ذوي البشرة الأشدّ سمرة والأكثر ارتباطاً بالأفارقة السود. وهنا أيضاً لم تكن السلطة بريئة من مأسسة العنصرية التي تستند العبودية إليها. ففي 1987، مثلاً لا حصراً، جرت أوسع حركة تطهير للضبّاط السود من الجيش الوطني. وبعد ذاك بعامين، انفجر نزاع عرقيّ واسع تأدّى عنه قتل المئات وتهجير 60 ألف شخص من السود الموريتانيين إلى السنغال في الجنوب الغربي. وقد امتد النزاع العرقي إلى السنغال مصحوباً بانفجار اشتباكات حدودية بين البلدين الجارين. ويبدو أن آلافاً من الموريتانيين السود لا يزالون حتى يومنا الراهن يعيشون في معسكرات في السنغال.

واقع الأمر، من ناحية أخرى، أن هذه المسألة -الوصمة لم تُعدّ مرةً، ولا تُعدّ اليوم، شاغلاً للفكر السياسي العربي. فنحن في المرات القليلة التي نتحدث فيها عن موريتانيا يكون موجه اهتمامنا عروبتها وإسلامها، أو أن نتيقن من موقفها الصائب في النزاع العربي- الإسرائيلي ومن أنها لم تنجرّ إلى التطبيع مع الدولة العبرية. أما أن نُعنى بمسألة كمسألة العبودية فيها فهذا ليس من شيمنا. حتى أن الغيورين بيننا على نقاء صورة العرب والمسلمين، لا يعيرون أي اهتمام لحجم الإساءة التي تلحقها العبودية في موريتانيا بهذه الصورة.

الاتحاد الاماراتية

المصدر.

Advertisements