المـــا فــــيا التي أنتــــمي إلــــيها / منت الناس

صديقتي..، مشغولة عني هذه الأيام، فقريبها أحد المترشحين، وهي ملزمة قبليا ببناء خيمة في مكان جيد .. منذ أسابيع كانت غارقة في إقناعي بالترشّح وهو أمر كنا نتحدث عنه بطريقة أقرب إلى السخرية.

فهي ترى أن الأفكار الجيدة، والتبرّم من الواقع، وسلاطة اللسان، وهي أمور أبرع أنا فيها حسب رأيها، كلها تقود إلى النجاح في الترشّحات.

أما أنا، فأشترط لترشّحي توفّر ساحة موازية للواقع، كتلك التي تمتلك كلتانا فيها شخصية أخرى غير التي نقابل بها الناس.
صديقتي وأنا، نعيش انفصاما في الشخصية.

كلتانا تملك شخصيتها التي ولدت بها، وربّتها بها قبيلتها وذووها، لكن ما يجمعنا هو أنني أملك مثلها شخصية موازية ترى الواقع المر، تتحدث عنه وتنتقده.

قد يرى البعض في الأمر نفاقا أو تملّقا، لكن المواقف وحياة الواقع يدحضان الأمر.

عندما أعلن قريب صديقتي ترشّحه، كان أحد أقربائي أيضا على وشك الترشّح، حيث أغرته الشائعات حول ترشّح المستقلّين.

كنت قاب قوسين أو أدنى من الغرق في حملة ستجري في إحدى المدن الداخلية، وكنت أجامل قريبي، فهو إنسان محبّب ومثقّف وسبّاق للقيام بواجبات القبيلة.

ورغم أنني متطرّفة في نظرتي للإنتماء القبلي، إلا أنه لم يكن من المعقول أن أتنكّر لذلك القريب، لذا كنت أتفرّج على نفسي وأنا أتملّقه مجاملة ..

“لكأنّي بك في غرفة البرلمان”، أو قائلة “أنت ناجح .. والنجاح يتلألأ على وجهك” أو سائلة .. “ما هو دوري ؟ هل أكتب قصيدة ؟ أم أبني خيمة ؟ أم أبدع شعارا ؟”.

لاشك أنكم تحتقرونني الآن، لكن أي منكم بإمكانه رمي الحقيقة في وجه أقاربه ؟

أي منكم بإمكانه أن يسأل قريبه .. “ماهو برنامجك ؟ لأعرف هل سأدعمك أم لا ؟”

أم من منكم بإمكانه رمي الحقيقة في وجه ابن عمه .. “أنت لص فاسد، وليس بإمكاني دعمك في الحملة” ؟

من منا بإمكانه الخروج من تحت عباءة عصابة المافيا التي ينتمي إليها ؟

ذلك أمر كنت أراه دائما، إلى درجة توارد أوجه الشبه دون انقطاع، فقبيلة كل واحد منا ماهي إلا تنظيم للمصلحة الضيقة، تماما كمنظمات الجريمة في الغرب.

وقد يرى البعض أن في الأمر تطاولا على القبائل الموريتانية، التي يعود معظمها في النسب إلى نبي الأمة أو العشرة المبشرين بالجنة.

لكن المافيا أيضا لها تاريخها الشريف، فقد بدأت في الأصل كحركة تحررية، بعد أن عاث الفرنسيون فسادا في جزيرة صقلية، نهاية القرن التاسع عشر.

لذا فأنا أبرئ الأجداد مما يقوم به الأحفاد.

مررت بخيمة صديقتي التي نصبت دعما لقريبها، خيمة عشرين “مشدحة” على أكبر شارع بتفرغ زينه، تتزيّن واجهتها بصور المرشح، وقد كتب تحتها “صوتّوا لمرشح حقوق الإنسان”.

تلك كانت إحدى مهام المافيا التي يكلّفون بها أحد أعضاء المنظمة الذين يفكّرون في الإعتزال والتوبة، وفي العادة يراقبونه عن كثب، هل يخلص في العمل أم لا.

تذكّرت ذلك عندما اخبرني حارس الخيمة أن المرشح مرّ عليه وسأله هل صديقتي تحضر كل يوم أم لا ؟

في مناسبات العزاء يبرز الأمر أكثر ..

تجدّد ذلك منذ شهر عندما توفيت احدى الشخصيات الشهيرة في قبيلة من منطقتنا.

تذكّرت مآتم المافيا، حيث يتوالى حضور “الكارتيلات”، رغم العداء بينها، وحيث يبرز نوع غريب من استعراض العضلات السياسي ..

فكل قبيلة تجمع أكبر عدد ممكن من المسؤولين، وتحضره لإبراز قيمتها.

جهد بسيط من مخيّلتي .. وتتحوّل ملاحف نساء القبيلة إلى فساتين سوداء، ونظارات شمسية، وقبعات عريضة تماما كما في أفلام المافيا.

أما الرجال، فكنت أشاهدهم وهم يدخلون ببدلهم السوداء، وحرّاسهم المدججين بالسلاح، وكنت أرتعد مخافة أن تحصل تصفية أحدهم في أي لحظة.

القبيلة في موريتانيا ظاهرة غريبة، لا تتحدث عنها الصحافة، تماما كالمافيا، وأنا أتعجّب دوما عندما يتحدث أحدهم في وسائل الإعلام، ويقدم نفسه ومهنته وولايته ومنصبه ولا يتطرق إلى قبيلته، هل طغت النظرة السلبية للقبلية على الجوانب الإيجابية لها ؟

ليس بإمكاننا التنكر لما للقبيلة من دور في بلادنا، حيث يدرك الكل أن قبيلة كانت تحكم موريتانيا أيام النظام السابق، ويخاف الكل من أن تتحول إلى ملك قبيلة أخرى.

وحيث يرتكب المواطن الموريتاني الجرائم وتتدخّل قبيلته لإنهاء الأمر وسلّه سل الشعرة من العجين.

وحيث لا يتمكّن إنسان من تقديم شكاية في أي فساد، لأن الأمر سيمسّ فردا من القبيلة الفلانية.

قصة غريبة رواها لي أحد دكاترة المستشفى الوطني، تبرز حجم التغيير الذي سيحصل لو لم نكن قبائل، ممرّض تخدير في أحد المستشفيات الخاصة، ابتكر طريقة خاصة لسرقة مواد التخدير، حيث تعوّد أن يحقن المريض بجزء من حقنة التخدير، ويحتفظ بالباقي ليضيف إليه الماء ويبيعه لإحدى الصيدليات على أنه حقنة تخدير كاملة.

وبما أن كل حقنة تخدّر الإنسان لمدة محدودة حسب ما تحويه، فلم يضر الأمر كثيرا بالنسبة للمرضى الذين كانوا يتلقّون حقنا غير كاملة، لأن الأطباء يحتاطون للأمر، فمن تحتاج جراحته لثلاث ساعات مثلا يعطونه كمية من المخدر يمتد مفعولها لخمس ساعات.

لكن المرضى الذين تم تخديرهم بالحقن الممزوجة بالماء، والتي باعها الممرض للصيدلية تضرروا كثيرا، حيث بدأ الجرّاحون في أحد المستشفيات الخصوصية في نواكشوط، يلاحظون أن المرضى يئنون ألما أثناء العمليات، وبعضهم يستيقظ قبل نهاية العملية.

وفي إحدى المرات جلست سيدة أثناء عملية قيصرية، مما تسبب لها في نزيف قوي كاد أن يودي بحياتها.

لكن الفرج لاح عندما استيقظ طفل كان يخضع لعملية تقويم كسر في فخذه، على يد جراح اسباني متعاون مع المستشفى، كاد أن يجن وهو يوالي حقن البنج دون جدوى للطفل الذي استيقظ وصراخه يملأ الآفاق، وهو يرى فخذه مشرحة وعظمه ينشر بمنشار.

الطبيب أرسل بقية الحقنة وعدة حقن أخرى مما كان في حوزة المستشفى إلى اسبانيا للفحص، وجاءت النتيجة لتقول إن الحقن تحوي نسبا قليلة من المخدر ليس بإمكانها أن تخدّر جنينا، وبعضها خال تماما من البنج.

وضجّت الفضيحة .. وبعد التمعّن والرجوع للصيدلية التي باعت الحقن، قرّر المستشفى التستّر على الفضيحة، فصاحب الصيدلية واحد من الفلانيين، وليس بالإمكان تخريب عمله.

وما إن علم الدكتور الإسباني بالأمر حتى كتب استقالته وقدم شكوى للوزارة وبدأ البحث عن الصحافة وقال إنه سيكلّم منظمات اسبانية لفضح الأمر.

لتكتشف وزارة الصحة في بلادنا أنها أمام طبيب غير عن الأطباء الموريتانيين الذين يقتلون الناس بإستمرار دون أن تتناطح شاتان.

والذين يتسترون بإستمرار على أفظع الجرائم، لأن الأمر سيمسّ القبيلة الفلانية.

المهم أن الفضيحة أغلقت الصيدلية، وسجنت الممرّض، وكادت أن تغلق المستشفى الخصوصي، كل ذلك لأن الدكتور الإسباني لا ينتمي لقبيلة ستضغط عليه حتى يسحب الشكوى التي ستمس مافيا أخرى.

حديثي مع الطبيب الشاب الذي روى لي القصة، تطرّق إلى نظرتي لسيطرة القبيلة في موريتانيا ..

وقد كاشفني أنه هو أيضا يعيش انفصاما في الشخصية مثلي تماما، فهناك شخصيته الإنسانية التي عاد منذ سنوات يحملها معه من الغرب الذي درس فيه الطب، وأقسم فيه على مجموعة من المبادئ لم يعد يتذكرها.

وهناك هذه الشخصية التي نعيش بها أمام المجتمع .. نجامل ونداهن ونمالئ .. وبين الحين والآخر نلقي ما في صدورنا على أشخاص نثق بهم .. إنها طريقة التغيير بأضعف الإيمان.

وقد حدّثني عن أيام صعبة عاشها في المستشفى الوطني في بداية عمله به، وكان مما قال لي وعيونه التي تحمل هموما عميقة ترنو لمجهول بعيد، أنه من سخرية القدر أن الفساد وسوء الإدارة عندما يطالان المؤسسات الصحية، فإن الأمر يختلف عن بقية المؤسسات، وذلك لأن الضرر يلحق بالغني والفقير، بالوزير والبواب.

ففي إحدى المرات ومن بين أمور أخرى كثيرة، حضرت للمستشفى سيارة تحمل جرحى حادث وقع على طريق الأمل، وكان من بين الجرحى شاب يافع تظهر عليه ملامح الثراء، ولم يكن الدم متوفرا في المستشفى في تلك الليلة، لذا ظل ذلك الشاب ينزف حتى الموت، حيث لم يستطع الأطباء السيطرة على جروحه، ولم يجدوا الدم ليمدّوه به.

وبعد ساعات تبين أن الفتى ابن أحد أغنياء البلد .. كم الأمر مضحك.

الطبيب الشاب، يحمّل الإدارة وسوء التسيير المسؤولية عن الكثير من الوفيات التي تحصل في المستشفى، وإذا انضاف الأمر إلى تقرير قرأته مؤخرا، صادر عن منظمة الأمم المتحدة، يتحدّث عن وضع الطفولة حول العالم، ويقول إنه لو استطاعت دول العالم الثالث أن تحدّ من الفساد الإداري بنسبة خمسة في المائة، فإنها ستوفّر فرصة العيش لخمسة ملايين طفل يموتون سنويا لأسباب تتعلق بسوء التسيير والفساد المالي.

فأنا أتساءل إذا كانت المافيات المنتشرة في بلادي، والتي منها النظام القبلي، تقتل نسبتها من الأطفال، فكم ياترى تقتل من الكبار؟

كم يموت سنويا بسبب الملاريا ؟ مع أنه لو كانت البلدية تكفّلت بصب المبيدات على “أحرايث سينكييم” لكان العدد نقص ..

كم شخصا يموت سنويا بالكوليرا ؟ مع أنه لو سيّرت المصادر المالية تسييرا رشيدا لكان للأمر محدود..

كم امرأة تموت أثناء الولادة ؟ بعد أن صرفت الأموال المخصّصة لبرامج الأمومة والطفولة في السيّارات الفارهة، وقطعان الإبل، ومنازل تفرغ زينه..

تلك هي المافيا ..

تمتصّ خيرات الشعوب بنظام لا يمكن اختراقه ..

وقد كنت أشاهد دوما المسؤولين الفاسدين، وهم يقطّعون الأطفال ويأكلونهم، أما زوجاتهم وبناتهم فكانت “ملاحف اكنيبه”، وقلائد الذهب تتحول في عيني، وأنا أركّز عليهن إلى قطع من أشلاء المرضى، تلطّخهن بالدماء والصديد.

لذا لم يفهموا يوما نظرتي التي يظنّونها من الحسد، وأنا أرى هذه تعلّق عيني طفل كأقراط في أذنيها، وأحيانا تعلّق كليتيه، وتتّخذ من قلبه واسطة عقد تزيّن بها جيدها الآثم.

الأمر مقرف .. لكن أليست تلك هي الحقيقة ؟

أليس ما يلبسه هؤلاء ويتزيّنون به، دواء الأطفال وغذاؤهم، وسيارات الإسعاف التي كان من المفترض أن تنقلهم ؟

إذا كنتم ترون الأمر كذالك فتلك هي مافياي ..

فإلى أي مافيا تنتمون؟
………………………………………………..

منت الناس/ نقلا عن موقع المذرذرة اليوم

 

المصدر

Advertisements