انتهاكات في مدرسة الدرك..

أ ـ مولاي عبد الله ولد مولاي عثمان

أ ـ مولاي عبد الله ولد مولاي عثمان

 

قبل نحو شهر ألقى القائد الجديد لمدرسة الدرك بروصو العقيد أحمد ولد اعليوت كلمة في طلاب المدرسة الوطنية للإدارة الذي أتيَ بهم لأداء الخدمة العسكرية الإجبارية.

في كلمته هذه أصرّ العقيد على الرطانة باللغة الفرنسية، ولما سأل الشبابَ سؤالَ استطراد فقال: واضح؟ قالوا له: لا لا لا، نريد العربية، فقال لهم بالحسانية: لاهي نتكلم اللاّ بالفرنسية.. ذاك اللي قال العربية العربية وينهو؟ فقال له أحد الشباب: أنا، فطرده العقيد خارج القاعة، ثم لما أنهى رطانته قال في تحدٍ سافر: يا أهل العربية أشرحوا لذاك آمنادم ذ َ اللّي قلتْ.

كانت هذه الكلمة تعني الإهانة الأولى للطلاب في صميم هويتهم وانتمائهم، وربما هي إشارة من العقيد مقصودة وسلبية إلى هؤلاء الطلاب أن أعدوا أنفسكم لشهر من الاحتقار والمذلة والسادية المرَضيّة والمخالقة بقبيح الأخلاق، وتوقعوا كثيرا من الأفعال السيئة التي لا تمت إلى التكوين العسكري الصحيح بكبير صلة.

إن مدرسة الدرك في روصو تحمل في قسماتها شبهاً لا يخفى بمعسكرات الاعتقال الجماعي، ولذلك لم يحظ “نزلاؤها” من طلاب المدرسة الوطنية للإدارة بالرعاية الإنسانية، وكأنهم أرسلوا إليها لقضاء عقوبة بالسجن مع الأعمال الشاقة مدة شهر ينتهي في الثالث من أكتوبر.

في هذه المدرسة العسكرية دورات المياه عفنة وبلا صرف صحي، وتقيء هذه الدورات ما فيها كل يوم ناشرة على الطرقات وفي الممرات روائح بالغة الأذى والضرر على صحة الطلاب – الذين يسمونهم التلاميذ – والذين أصيب بعضهم بهستيريا القيء وسوء الهضم.

هذا عن دورات الماء، أما الماء نفسه فقد شبّهه من رأوه بـ”عصير الجوارب” لشدة ما أصابه من تغيّر اللون والطعم والرائحة، ولتلوثه إلى درجة السُّمّيّة. وهذا الماء الذي يسقى للطلاب (التلاميذ) في مدرسة الدرك بروصو أفضى العام الماضي بأحد الطلاب إلى الإصابة بمرض الكلى، أما هذا العام فقد عدل أكثر الشباب عن شربه واختاروا العطش، أو شراء المياه المعدنية من قليل ما يملكون؛ رغم أن جلاوزة العسكر يمنعونهم غالبا من الخروج لشراء حاجاتهم الضرورية ومنها الماء المعدني.

أما الطعام فحدث ولا حرج؛ إنها ثلاث وجبات رديئة وقليلة وربما تكون مسببة للأمراض لاختلاطها أحيانا بالبعوض والحشرات المطبوخة معها، وكالطعام إناؤه؛ فأواني الأكل والشرب غير نظيفة، وكذلك آلات الطبخ التي تترسب فيها زيوت الأطعمة السابقة.

والسكن غرف رديئة، في كل واحدة منها ثمانية أشخاص على أربعة أسرة، شخص في أسفل كل سرير وآخر في أعلاه، وينتشر البعوض في كل مكان: في الناموسيات التي يلبسها التلاميذ؛ لأنهم لا يجدون ما يعلقون عليه هذه الناموسيات، وفي الأشربة، وفي الأطعمة، وفي دورات المياه.

ورغم ما تفيض به هذه البقعة العسكرية من أسباب المرض وجوالب الأوبئة والهلاك فإن الرعاية الطبية فيها تشبه العدم، وقد يعاين الطبيب في اليوم الواحد أكثر من 70 حالة أغلبها أورام و أعطاب وحمى ملاريا، وحالات الصرع والإغماء؛ بسبب ضربات الشمس وعدم القدرة على ممارسة الأنشطة الشديدة القسوة التي يفرضها المدربون العسكريون على الطلاب المدنيين.

ولأنهم أقوام يحتقرون القوانين بدءا من الدستور إلى قانون السير، فإنهم لا يبدون أي شفقة أو اهتمام أو احترام بمن يمنحه الطبيب الداخلي للمدرسة راحة طبية بسبب المرض أو الألم العضلي الشديد، بل يوقفونه في الشمس خارج الطابور، تشهيرا به كمعاق.. ويسمونه المعوز، سخرية منه! ومما أدركه الشباب المعذّب في مدرسة الدرك بروصو أن نفراً من المدربين العسكريين يتلذذون بإهانة من يرونهم مسؤولين سامين في المستقبل من حكام وولاة وقضاة وصحافة ودبلوماسيين.

لقد بلغت الإساءة والمعاملة غير اللائقة منتهاها قبل أيام فأضرب الشباب عن الطعام الرديء والمشرب الآسن وأغمي على الكثير منهم، لكن المشرفين العسكريين سلكوا سبيل القسوة والعقابات الجماعية فألزموا المضربين وغيرهم قطع مسافة 16 كلم جريا بمشية البطة؛ التي يشد صاحبها يديه خلف رقبته ويخفض رأسه جهة ركبتيه ثم يمشي على رجليه مسرعا ما وسعه الإسراع.

أذكر أني لست ممن يعارضون الخدمة العسكرية والتجنيد الإجباري، لكن الخدمة العسكرية لا تعني هذا العبث السادي الذي يمارسه العسكر ضد شباب مدني يعاملونه معاملة العسكريين، هذه انتهاكات حقيقية ضد إنسانية هؤلاء الشباب وكرامتهم ويجب أن توقف أو تضبط بالقانون.

 

نقلا عن صحيفة “الأخبار إنفو” الأسبوعية

المصدر