المحظرة.. بين إهمال الدولة؛ وجحود الخريجين!!

من أجل تعميق الموسوعية المحظرية.
الخطوة الثانية.
المحظرة.. بين إهمال الدولة؛ وجحود الخريجين!!.

قلت لصاحبي: لقد جَعَلنا جميعُنا من المحظرة؛ سلما خشبيا عتيقا نتسلق به من السور الخلفي إلى المدينية والمدينة، والحضارة والتحضر، ولأننا لا نفكرُ في الرجوع إلى الخلف؛ وبمجرد أن نرفع آخر أقدامنا عن السلم؛ نركله ليسقط ثانية إلى الأرض، في انتظار وصوليّ آخر، يسعى لتغيير جلده والتنكر في ألقاب مدنية جامعية كالأستاذ والدكتور، وغيرهما من الألقاب المتنافية جذريا مع تلك التربية الصوفية الزاهدة التي أنشئ عليها طلاب المحاظر منذ نعومة أظافرهم..!!.

لست ضدّ دخول المحظريين في المدارس والمعاهد العصرية لتأطير أنفسهم، وتوسيع معارفهم وتحديثها، ولقد نجح المحظريون أيما نجاح في شق طريق سالكة نحو التميز والريادة في شتى التخصصات التي يتاح لهم المشاركة فيها..!!.
ساعدهم في ذلك ليس فقط الكم الهائل من المحفوظات التي تحملوا إبان الدرس والمطالعة؛ إنما تربيتهم المحظرية الصارمة، ودربتهم على شظف العيش، والجدية التي لا تعرف الفتور، والصرامة المنقطعة النظير، وتحملهم لكل مشاقّ الحياة في سبيل الطلب والتحصيل.

زيادة على ذلك؛ لم تكن المحظرة يوما مجرد حاضنة نظرية لمناهج جامدة كما يتصور، بل المحظرة فلسفة في الحياة ومدرسة في التربية تمكن خريجها من النظر إلى أرواح العلوم والأشياء قبل أشكالها وصورها، هو ما يجعل المحظري لقربه من الطبيعة وتعاليمها الأم؛ يفهم بسرعة كلّ تعاقيد المدينة وتجاوزها، مخلفا أبناء المدارس المدنيين عالقين في شكليات ليست من العلم ولا تنتمي لروحه؛ إنما هي أعراف تشكلت خلال المسيرة الحضارية كعادات علقت بمسيرة الثقافة ومناهجها مع الأيام..!!.
ولذلك تجد تلك الأعراف تتغير من بلد إلى بلدٍ؛ دون أن يتغير العلم نفسه والثقافة..!!.

ولأعطيك ثمرة الخلاف ناضجة مكتملة في يدك، أقول: اطلب من متخصص في التربية أن يؤسس لك مدرسة ابتدائية أو فصل محو أمية. لا تتفاجأ إن أمطرك بوابل من الطلبات، والمعوقات، والتعلات؛ ما يجعلك تندم أنك فكرتَ يومًا في سؤاله. واليعش العالم بأمان في أحضان الجهل..!!.
سيلزمك بمدرسة مبنية وفق المعايير العالمية، وأساتذة، ومدراء ومراقبين ومفتشين، ودراسة اجتماعية للمنطقة، ودراسة تربوية مطبقة عليها، ومكتبة، وأجهزة حاسب ومناهج موافقة لمعايير اليونيسكو وأخواتها… كلّ هذا من أجل أن تخرج بعض الطلبة المغمورين، ممن يحسن قراة الحروف ويسيئ كتابتها..!!.
أمّا المحظريّ فهو يعرف أنّ الهدف هو إيصال العلم المتاح في صدره؛ إلى طلبته، وسيكيف إمكانياته؛ حتى وإن كانت ظل شجره مع أهدافه؛ حتى وإن كانت تخريج عباقرة كآبّ ولد اخطور ومحمد سالم عدود والبّاه ولد عبد الله وولدبيّ وحمدًا ولد التاه…

لستُ أمجد لك تقشف أهل المحظرة وبساطتهم؛ ولا أتهجم على بيروقراطية تفكير أبناء المدارس وتعقد الوسائل عندهم تعقد الحياة المدنية؛ إنما الهدف بَيانُ الفرق بين الفلسفتين لا أكثر..!.
ويتجلى فرقٌ آخر بين الفلسفتين، المادية الحداثية، والقيمية البدوية في ولع الحداثية بالألقاب العلمية؛ وسعي المحظرة إلى التقلل منها والتجرد، فيكفي دليلا على الصدارة وعلو الكعب أن تصبح كلمة (الحاج) عند إطلاقاها علما على الشيخ العلامة الزاهد الحاج ولد فَحْفُ-أطال الله عمره- وكلمة (البّاه) علما على الشيخ العلامة الباه ولد عبد الله-حفظه الله- وكلمة (محمد الحسّن) علما على العلامة المتفنن محمد الحسن بن أحمدّ الخديم -حفظه الله-

إنني حين أرفض بيروقراطية أهل العصر؛ أرفض بشدة مرنة تفرضها المقاصدية والموازنة بين المصلحة والمفسدة؛ أرفض التقشف المحظري والبساطة البدوية اللذين تقدسهما الصحراء لحد الغُلوّ، وتزدريهما المدينة لحدّ الاحتقار..!!.
وقد قيل:
ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ** ولو عظّموهُ في النفوس لَعُظِّمَا.
وقال آدّ -رحمه الله- :
للعلما يندبُ حسن الزي ** لهم ليعظموا لكفّ الغيّ.
قلت: وليس طلب الفقهاء هنا حسن لباس العالم مطلوبا لذاته، فحسن لباس العالم داخل في عموم خطاب المسلمين؛ إنما هو حكمٌ معلل، قد يرتفع من الندبية للوجوب؛ ترقيا من ظنية تأثير حسن الثوب إلى قطعيتها..
وقد قال الله- تعالى- : ((ولله العزة ولرسوله وللمومنين)). وإنّ من العزة الأخذ بأسبابها.
وكما أنّ البدويّ القديم لا يثق بغير العالم المتقشف؛ فإن الحضري بطبعه يحترم السمت الحسن ويوقر الهيئة الحسنة..!
ولقد قبل عمر -رضي الله عنه- حسن تخلص معاوية-رضي الله عنه- واعتذاره أن الروم المتاخمين يهابون مظاهر الملك والقوة!.
**
لو أتيح للمحطرة أن تتكلم، لردت علي وقالت:
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ** إيّاك إيّاك أنْ تبتلّ بالماء!!.
لن تستطيع المحظرة أن تطور نفسها بنفسها، ليس بسبب غياب الدافع وحده؛ إنما لغياب المحفز، وشحّ الامكانات، الناتج عن هجرة الحاضنة المجتمعية إلى المدينة، وتقصير الدولة المخلّ، لدرجة أنّك قد تتصور أنّ الدولة تحاربُ فكرة المحظرة، رغم افتخارها بتاريخها واحتفائها بخريجيها الأوائل، ورغم تغلغل خريجي المحظرة اليوم في كل مفاصل الدولة كوزراء، ومدراء، وقضاة…
كذلك، لم نسمع عن لفتة وفاء من قبل أبناء المحاظر مع محاظرهم ولا مع المحظرة عامّة، رغم ما قدمته لهم المحظرة بسخاء..!!.

كذلك، لا يدرك أغلب شيوخ المحاظر حاجتهم لأن يطوروا مناهجهم التعليمية، وما ذلك إلا لأنهم وجدوا أن الذي يراد منهم من التطوير والتحديث؛ يحصل عليه المحظري في غضون سنة أو سنتين من الجامعة، أمّا مايقدمون هم من موسوعية علمية؛ فلا تعوضه الجامعات ولا المعاهد، رغم أهميتها بالنسبة للمحظريين اليوم..!!
فالمعاهد والجامعات الإسلامية مرحلة نوعية في مسيرة الطالب المحظري؛ إلا أنها لا تستطيع إطلاقا تعويضَ المحاظر ولا المجالس والحلقات العلمية..!!.
وليس الأمر خاصّا بمعاهد موريتانيا-وإن اختصت عن مثيلاتها بغياب دعم الدولة والحاضنة المجتمعية- ففي كل بلدان العالم الإسلامي يعتمد طلابُ المعاهد الإسلامية النابهون عادة على المدارس الأهلية والحلقات العلمية في المساجد والبيوت، وقلّ أن يتخرج من المعاهد فقط إلا العباقرة الأفذاذ ومن معاهد خاصّة، تعدّ على رؤوس الأصابع مازالت تحافظ على النمط القديم من التدريس.

ختاما أقول: لا ينتظر من أي دويلات العالم الثالث المكتوية بويلات الفقر والجهل وغياب الإرادة؛ أن تهتمّ بالعلم والتعليم.
هو ما يجعلنا نفكر كمحظريين (خريجين أو
منتسبين سابقا)؛ أن نفكر في عملٍ جماعي يحفظُ لهذه القطر الشنقيطي أعظم خصائصه العلمية ومفاخره التاريخية..!!.
وكما أن هناك رابطات وأندية وطنية وعالمية لخريجي الجامعات الكبيرة؛ فمن المستحسن أن نرى رابطة لكل خريجي المحاظر أو ناد لكل خريجي محظرة، يجتمعون فيه دوريا لمناقشة واقع ومستقبل هذه الصروح العلمية الآيلة للزوال..!.

عندما تتزاحم تلك العقول على طاولة البحث؛ فستحلّ أغلب المشاكل، وتزول أكبر العقبات، لأن المحظرة -وكما عودتنا- تكتفي بالقليل والقليل جدا؛ لتنتج الكثير والكثير جدّا!!.

في انتظار ذلك الحلم؛ وفي بلد تدفن فيه الأحلام على الرفوف بغبار الانتظار؛ أطلب من أساتذة الثانويات خصوصا أن يتبرعوا للطبة الجدد القادمين من المحاظر ببعض الوقت، وأن يحتضنوهم كردّ لجميل مدرسة أعطتهم كل الوقت. وألا يتركوهم عرضة لانتهازية المدارس (المتحررة).. عفوا، (الحرة).

وليتَ أنّ أساتذة الجامعات من أبناء المحاظر أقاموا دورات صيفية لكبار طلبة المحاظر في طرق البحث العلمي الحديث، والمناهج العلمية الحديثة..
قد تكون هذه الأحلام والمشاريع كبيرة؛ لكنها لا تحتاج أكثر من الارادة..!
أستطيع أن أجزم.. بل أستطيعُ أكثر من ذلك، وبأقل الوسائل أن أقدم أفضل نتيجة!!

 

أحمد سالم زياد

Advertisements