درس من كردستان..

في كردستان العراق، مرشحون شباب، يتأهبون لخوض الانتخابات العامة، ليحتلوا مقاعدهم في برلمان الإقليم..

درس من كردستان..

محمد ولد حمدو

شيء لافت، خاصة أن المرشحين الشباب، هم الأغلبية بين المتقدمين للانتخابات هذا العام.. لكن اللافت أكثر، هو أن الحزبين الكبيرين والتاريخيين في الإقليم، والذين يتنافسان بحدة في كل العمليات الانتخابية، اتفقا – من تلقاء نفسيهما وإدراكا لمسؤوليتهما “الأبوية” في ترسيخ الممارسة الانتخابية الديمقراطية – وقررا عن وعي، الدفع بمرشحين شبابا من فئات مهنية واجتماعية متباينة.. بينهم مهندسون وصحفيون ومحامون و فنانون وأساتذة جامعيون..
و النتيجة المتوقعة حتما، هي أن أعضاء البرلمان، سيكون أغلبهم من الشباب، وليس أي نوع من الشباب.. بل من خيرة الشباب خبرة ومعرفة واطلاعا على متطلبات التنمية في هذا الإقليم، الذي لا يهتم إلا بالتنمية – ويا للمفارقة – في محيط تشغله وتُشعله نعرات التعصب الطائفي والقومي والمذهبي، وسياسات القتل على الهوية العمياء والبلهاء!!
هو شيء لا فت فعلا، سيؤدي دون كبير عناء، ودون ضجيج.. وبعيدا عن الشعارات الجوفاء الفارغة، إلى ما يسمى منذ نحو خمس سنوات – دون نتيجة واضحة – تحت سماوات أخرى، تجديد الطبقة السياسية..
وسيكون لافتا فعلا، لأنه ببساطة – سواء فاز المرشحون من هذا الحزب أو ذاك – لن يكون إحلال أشخاص ذوي مستويات علمية وكفاءة متواضعة، مكان آخرين من نفس المستوى أو دون ذلك …وإنما رفد الحياة العامة برؤى وتصورات جديدة، للتعاطي مع الشأن العام، كما يحدث في أعرق الديمقراطيات..
وهو بالفعل أمر لافت – حتى قبل معرفة النتائج – لأنه يمنحنا حق التفاؤل بإمكان توطين هذه النبتة التي تسمى الديمقراطية في بلدان الجنوب، خاصة أنه لم يتح حتى الآن لشتلات هذه النبتة، أن تنمو إلا نادرا في هذه البلدان، التي سماها أحدهم ذات يوم ريف العالم.
درس مجاني ( لمن يهمه المجاني، و “يحرص” ويتردد قبل أي صرف.. حتى ولو كان صرفا صحيا..!!) يقدمه كردستان، لكل من يهمه أن تكون الانتخابات ذات مغزى، وليست مجرد عملية ميكانيكية.. جعجعة بلا طحين.. يصرف فيها الجهد والوقت.. والإمكانات، ولا تحمل أوجها.. ورؤى وتصورات جديدة، مختلفة في التسيير والإدارة والتوقع..
وهو درس لافت فعلا، لأنه جزء من تجربة خاصة بكل المقاييس، جعلت في سنوات قليلة من هذا الإقليم، نموذجا فريدا، في غفلة من زمن بغداد المستسلمة لمعاول الصراع الطائفي، والمشغولة بحصاد سنوات من ثقافة الكراهية والتعصب وضيق الأفق..
هذا الإقليم الذي تحول في سنوات معدودة، إلى واحة تنمية هادئة، في محيط مضطرب ومستفَز ( وربما بالكسر كذلك..) دائما، يضع عينه على تركيا المجاورة، بمؤشراتها التنموية الواعدة، ووجهها السياحي السمح.. ويطمح لأن يستقطب كثيرين في المنطقة، لم يعد بإمكانهم الذهاب إلى مصايف لبنان ومنتزهاتها، بسبب الوضع المتفجر في سوريا..
هو بكل بساطة، يريد أن يقود أبناءه نحو غد أمثل على كل الجبهات.. ولا يذهب ذهنك بعيدا إلى جبهات الحرب والقتال، فذاك ماض ولى، ولا يريد أحد هنا، أن يحبس فيه نفسه، لأنه عقيم.. وليس من رأى كمن سمع!!
هم مقبلون على الحياة.. خلافا لكثيرين من جيرانهم، وفي العالم العربي المهموم دوما بالقضايا الكبرى( !!) كتحرير فلسطين ومفاوضات أوسلو ، وتداعيات اتفاقيات إسطبل داوود ( كما كان يسميها القذافي) والسلاح النووي والكيميائي والربيع العربي.. ومجازر الغوطة وداريا وجوبر وحمص وباب عمرو وغيرها.. ومحاكمة مبارك وانقلاب السيسي ومعركة الإخوان في مصر الكنانة، وخبز اللبنانيين شبه اليومي من التفجيرات والسيارات المفخخة، وعمليات الاختطاف المتتالية في ليبيا.. ومراوغات السلفيين في جبال الشعانبي..
لا يهمهم شيء من ذلك.. ولا حتى الصرف الصحي(!!؟) في نواكشوط الغارقة للأبد في مياه المجاري و الأمطار والمحيط.. ومشاريع الضحالة الكبرى، وعمليات التشجير الاستعراضية، وأحلام السور الأخضر الكبير، التي يعلم الله وحده متى تتحقق.. و الاستعدادات دوما لزيارات كرنفالية، أو “لقاءات شعب” جديدة ..
همومهم في كردستان أصغر وأكثر تواضعا، تلخصها كلمتان صغيرتان.. حياة أفضل، لأبناء هذا الإقليم الذي لا يريد أهله – خلافا لكثيرين في الجوار – حبس أنفسهم في عباءة ماض ولى لحال سبيله.. لا أحد هنا غير بعيد من “البوابة الشرقية” يريد أن يضيع وقته في إثبات استخدام صدام حسين، أسلحة كيميائية في حلبجة.. و لا أحد هنا، يريد حبس نفسه وكل الإقليم، في دوامة الذكريات السيئة، لحرب الجبال و”على الكيميائي” والأيام الخوالي.. فذكر الجفاء في أيام الصفاء جفاء..
ولا أحد هنا يريد أن يهتم، إلا بما له صلة بواقعه وبمستقبله الآني.. الإقليم أولا.. وبعده يأتي التفكير في الآخر.. مهما كان أخا أو قريبا، وليس الأمر بالمقلوب، كما يحدث في بلدان كثيرة أخرى، يتألم أهلها لعذابات الآخرين في مشارق الأرض ومغاربها، وينسون آلامهم وجراحهم، ومآسيهم التي “يسبحون” فيها رغما عنهم.. وفقرهم المدقع وهمومهم الكثيرة التي تطوقهم، وكأنهم لم يسمعوا يوما قول عثمان رضي الله عنه، إن في نفسي شغلا عن بني أمية!!
محمد ولد حمدو

المصدر

Advertisements