دموع مديري الكهل

01.jpg

 

تعرضت للظلم خلال مسيرتي التعليمية مرتين: الأولى من مدير مدرستي، الذي ضربني ضربا مبرحا ظلما، -رغم أني كنت مهذبا وخجولا جدا- لأنني رفضت الفرار أمامه عندما طردني ومجموعة من التلاميذ من ساحة المدرسة عندما كنا نلعب في القسم بعد غياب معلمتنا، حيث كنا آخر المتبقين فيه، وكنت الوحيد الذي قرر أن يخرج من الساحة بخطى متأنية، وليس ركضا وفرحا بغياب المعلمة كما يفعل كل الأطفال… فما كان من المدير حينها وهو يصرخ ويزبد خلفي إلا أن ناداني وأدخلني في مكتبه وأشبعني ضربا، لأنني لم أهرب أمامه بعدما طردنا من القسم، كما قام بامساكي وجري من أذني، موجها لي كل ما في جعبته من الشتائم بصوت مرتفع، كما لو أنه يريد أن يشهد زملائي الذين جعلهم الفضول يطلون علينا من فوق جدار المدرسة على جبروته، وعندما أخرجني من المكتب رفضت الفرار مرة أخرى، فقام بإعادة استدعائي وضربي مرة أخرى وبشكل أكثر قوة، وعند إخراجي رفضت الامتثال له للمرة الثالثة، فأعاد الكرة معي ثلاث مرارة وفي كل مرة كنت أرفض الفرار حتى تعب ومل فخرجت ومع أن دموعي كانت تنهمر، والشهيق يخنقني… إلا أني تحاملت ورفضت أن يسمع أحد بكائي لأن ذلك بالنسبة لي كان يعني الهزيمة أمام إرادة مدير ظالم، كما جعل أغلب المسيطرين على الساحة -من التلاميذ- يتفادون الاعتراض لي بعد أن شاع خبر عجز المدير أمام إجباري على الفرار أمامه…

 

 

عدت إلى المنزل وأخفيت القصة عن والدتي، ودارت الأيام وافترقنا… وبعد 26 سنة من فراقنا وأثناء عملي في إطار “تسجيل موظفي ووكلاء الدولة” -حينها- سمعت مشاجرة قوية عند باب مكتبي. خرجت لأتبين الأمر، فإذا به نفس المدير وقد تغيرت ملامحه واشتعل رأسه شيبا وازدادت نظاراته دكانة، وأرغم الدهر قوامه على الركوع… وهو يتشاجر مع أحد الأساتذة في طابورهم الطويل من أجل أن يدخلوا علي في المكتب…

 

أصارحكم القوم لقد كان الشيطان حاضرا، حيث جعل الذكريات الأليمة تقفز إلى ذهني، ووقع كلماته لازال صداها في أذني عصي على الزمن…

 

كنت أسجل معلوماته وأقوم بتصويره وأسألته عن عدد زيجاته…وأقول في نفسي، آه يا دنيا! كيف حولت حضرة المدير من طاغية يرتعش الجميع منه، إلى عجوز مقوس الظهر كث الشيب يحتاج إلى من يأخذ بيده كي يعرف أين هو الباب! أف عليك يا زمن كيف جعلت من مديري الذي كان يدخل علينا بعبارته المشهورة: “دعوني أسمع صوت الذباب” فلا تسمع بعدها إلا صوت الذباب أو معلمتنا المرتبكة!

 

كنت مترددا كيف يمكنني أن أفتح معه الموضوع، فمن جهة أريد أن أسأله لماذا فعل بي حينها ما فعل، وكيف طاوعته نفسه أن يضرب طفلا في التاسعة من عمره بتلك الوحشية، لا لشيء سوى أنه تربى على يد أب حنون كان يعامله كصديق، وكان يقرأ له القصص كما هي دون تحريف كما يفعل جل الآباء. أبي -رحمه الله- كان عصاميا، وعلمني أن لكل بشر حقُ أن يعامله البشر كبشري لا كمجرم لمجرد أن الله حرمه من قوتهم ونفوذهم ومالهم، وأن له حق الخروج والدخول بالطريقة التي تناسبه، شريطة أن ينبذ الاعتداء على غيره، “فحريتي تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين”… ومن جهة أخرى كنت أريد معرفة رأي المدير بعد أن دارت الحياة دورتها وأصبح بمقدوري أن أفتعل معه أي مشكلة أرد له من خلالها الصاع صاعين –أصارحكم القول هذا ما دفعلتني نفسي الأمارة بالسوء لفعله بقوة-…

 

لكن أشياء كثيرة أخرى كانت تكبلني وتمنعني من الانتقام، أولها أني مكبل بوازع الدين فتذكرت قول النبي عليه السلام: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا”، فلأن تخلى هو عن احترامي وأنا صغير، فلن أكون مثله وهو في أرذل العمر.

 

المهم أني أنهيت الإجراءات الخاصة به وحان موعد حديثي معه:

 

حضرة المدير كيف حالكم؟

 

رد المدير الحمد لله بخير. سألته -وهو يدير لي ظهره للخروج- هل لازلتم في مدرسة “توجنين رقم 1″؟

 

كان وقع سؤالي قويا على مديري وهو يرمقني بحدة بعد أن التفت إلي كما لو أنه يحاول ارغام ذاكرته على العودة إلى عهد مضى بلا رجعة…

 

 رد مديري مبتسما مستخدما نبرة جديدة كما لو أن الدهر هذبه: لا يا ابني لقد تمت إحالتي إلى المعاش… وهل كنت من تلاميذ تلك المدرسة؟ تساءل المدير.

 

قلت: نعم كنت تلميذا في فترة كنتم فيها المدير الذي يرتعش الجميع عند دخوله…

 

تنهد المدير بعمق مبتسما كما لو أنه وجد اطراءا افتقده منذ فترة طويلة وقال: “إفرحن في الخافي”، لقد انتهى كل شيء… وابتلع ريقه كما لو أن نبرة حزن تخنقه.

 

قلت له: هل تذكر تلميذا عنيدا يسمى فلان (أعطيته اسمي)؟ ابتسم ونظر إلي من جديد وقال: لا تقل لي إنه أنت!

 

قلت: نعم أنا هو فلان ابن فلان… قال لي: يا ولدي لقد مر علي الكثير والكثير من التلاميذ والمعلمين على عموم موريتانيا… لكنك كنت من القلائل الذين رسخوا في ذهني، لقد كنت مشوشا ومشاغبا جدا… قاطعته قائلا: لا لم أكن كذلك سيدي المدير، لكني كنت ولازلت أكره أن أظلم أحدا ولا أسمح بأن يظلمني أحد، مهما كلفني ذلك. ثم قصصت عليه القصة والتي –لا أخفيكم سرا- أعادة المشهد أمامي لترغمني دموعي على النزول، بعد أن سردت له تلك القصة التراجيدية المؤلمة. والتي لازلت أتذكرها بوضوح بعد 26 عاما وبعد أن أنهيت دراستي الجامعية، كما لو أنها تحصل الآن.

 

سقطت نظارات المدير على فخذيه وهو يدخل المنديل من تحتهما ليمسح دموعه التي حاول اخفاؤها ندما على ذلك التصرف الدكتاتوري وهو يسترجع جزء من البطش الذي مارسه في مسيرته التعليمية.

 

ثم طلب مني الصفح لأنه يخشى أن يقابل ربه وقد جلب معه الصفح على ما أوقعه علي من اعتداء لفظي وجسدي… وقد سامحته وفتحت له باب مكتبي للخروج، وقد ذهب بوجه تتصارع قسماته بين الندم والفرحة…

 

 

 

انتهى الجزء الأول

 

في الجزء الثاني سأتطرق إلى حادثة أخرى مع أستاذ للعلوم حرمني من مواصلة التعليم في الثانوية الوطنية وحطم حلمي في أن أكون “طبيب أطفال”، كي يرغمني على الاعتذار له بعد انتشار فضيحته الأخلاقية كان هو بطلها.

 

 

المصدر

Advertisements