مقاربة أولية في سيكولوجية الزعامة

خلقت كل امة من أمم الأرض أنموذجا أو عدة نماذج من الزعامات تمركز حولها صراعها الداخلي والخارجي، وارتهن تاريخها ومصيرها ومستقبلها بتلك الزعامات أو الأبطال (الأفذاذ)، والزعيم أو (القائد كان غالبا شخصا مقودا منبهرا بالفكرة التي أصبح فيما بعد رسولها ومبشرا بها)[1].

ومع مرور الوقت نمت وتطورت ظاهرة الزعامات، ويقول لوبون: (الشعوب لم ينقصها أبدا قادة في التاريخ)[2]، بل أصبحت حالة وليدة في كل مجتمع قديما وحديثا ورسخت قاعدتها وأخذت تتسع وذات تأثير فعال على حركة الجماعات والمجتمعات التي أسبغت على أبطالها صفات أسطورية وإعجازية بل (وخلع القدسية والتعالي على التاريخ البشري الأكثر مادية ودنيوية والأكثر عادية وشيوعاً)[3]، حتى اختلط الجانب الأسطوري بالجانب الواقعي، وأخذت تلك الزعامات تتجذر في الوجدان الجمعي، وذلك من خلال مخيال الجماعة الذي يعمل على زرع بذورها وترسيخها في الأعماق السحيقة للنفسية الجماعية وزيادة شحنتها العاطفية[4]، وتصبح معه تلك الزعامات ذات نفوذ لا يستهان به، حيث عمقتها ودعمتها الإمتثالات اللاشعورية المكبوتة عند جماعة ما[5].

لهذا صرنا نرى في كل حقبة زعيما (بطلا) يطل ليمتص آمال الجماهير ورغباتها، ثم يفرزها بالتعاون مع المحيطين به على شكل أفعال فوق طبيعية وخارقة، وأصبح لكل مجتمع طريقته الخاصة في تغذية زعامته وأبطاله بمدد وافر من المزايا والأفعال التي يعجز من امتلاكها أو أدائها عامة الناس، خوفا أو عجزا أو التخلص من عبء الحرية كما يذكر (أريك فروم)[6]، أو كما يقرر غوساف لوبون: (إن الشيء الذي يهيمن على روح الجماهير ليس الحاجة إلى الحرية وإنما إلى العبودية. وذلك أن ظمأها للطاعة يجعلها تخضع غرائزياً لمن يعلن بأنه زعيما)[7].

فالزعيم (البطل) الذي استمد كل حقه البطولي من الجماعة التي أسبغت عليه صفاته، رمزا مستعليا، بعد أن تجذرت أفعاله وأقواله في تربة المجتمع، وفي وعي ولا وعي الجماهير، تفخمت صورته وأخذت حيزا وحضورا مؤثرا وفعالا.

ان البعد السيكولوجي لهذه الظاهرة معقد ومتشابك، حيث يندمج بها الفردي والجماعي والأسطوري والتاريخي، المقدس بالمدنس، لهذا يحتاج إلى تأطير من خلال دراسات يتلاقح فيها السياسي بالاجتماعي، والنفسي بالتاريخي، والكشف عن النواة المحورية التي تمحورت حولها تصورات أي جماعة بشرية[8].

إن الكثير من الجماعات لا تقدر أن تعيش بدون زعامات قومية أو دينية أو سياسية، ولو فرغت ساحتها من الزعيم، فإنها تسعى لخلق زعيمها ورمزها الخاص بها، الذي يعبر (في رأيها ربما…) عن تطلعاتها أو أحلامها (حتى بوجود خيبات الأمل، الزعيم يصبح قدرا لابد منه)، فاغلب الجماعات تعيش أو تريد أن تعيش في ظل (النموذج التبعي)[9]، الذي تستمد منه الكثير من أنماط حياتها.

ويشتد لدى تلك الجماعات هوس بالزعامة لا يقارع، بل يصبح على أشده، إذا كانت تمر بأزمات شديدة تهدد هويتها وكيانها ومعتقداتها، فنرى الجماعات تركن إلى زعيم ما بدون تبصر واختيار واع ودقيق، متخذة منه معبرا أو جسرا للخروج من أزمتها الوجودية أو الظرفية التي تعصف بها، لعله يعيد إليها التوازن الذي فقدته أو يمنحها الرجاء والأمل في مستقبل ما.

ويمثل الزعيم (البطل) من المنظور النفسي (الأنا القيمية العليا) للجماعة، لهذا تلحق به كل الصفات الجيدة والخارقة ويكون محصنا من العوامل العارضة10، ولا يتأثر بها مباشرة بل يشكل جسمه وعقله وروحه وأفعاله وحدة خالصة لا تدانى أو تقرن في شيء من ظواهر الدنيا وقواهرها ويشكل تاريخه، متخذا أبعادا أسطورية وقيادية، ونبوغا مبكرا منذ ولادته أو ربما قبلها؟! على شكل أحلام ورؤى والديه وآخرين من عائلته، ومن المقربين له حول مستقبله في تولي الزعامة وقيادة البلاد والعباد، ويمر تاريخه الشخصي والعائلي بتحريف على درجة عالية من الأسطرة والتعديلات الجزافية اللا مألوفة.

إن الآلية النفسية التي تسبر في ركابها ظاهرة الزعامة هوامية طفلية، تخضع إلى (امتثالات لا إرادية) تأتي تهاجمنا في الأحلام، حيث لا نملك القدرة على مواجهتها، لأنها تنطلق من جذور عميقة مؤطرة بتصورات طوقت حياتنا بقوتها وحضورها وزخمها مدة لا يستهان لها من الزمن، وخصوصا في مجتمعاتنا التي ما تزال مجتمعات بطريكية (أبوية) والعلاقات فيها عمودية11، في جعلها تخضع لمسارات التبعية والخضوع من أعلى إلى أسفل، لهذا نرى الإنسان المسحوق في ظل تلك الجدلية الاجتماعية والمحكوم بها منذ نشأته الأسرية (داخل العائلة) وتعلم من خلالها على الوضعية الاتكالية12، فهو غير قادر على مواجهة الواقع بقدراته، فسيبحث عن أبطال لمنحهم ما يريدون من امتيازات فائقة في سبيل أن يصبحوا وكلاء له أمام الأحداث، ويتصرفوا نيابة عنه، في حاضره ومستقبله ومصيره وقدراته، فهو مثل الطفل الذي يركن إلى جبروت أبيه في ساعات الضعف ليطلب حاجة يتمناها مع فارق في نوعية الحاجة والمتطلبات.

إن هذه الاتكالية التي تخلقها المجتمعات (وحتى المتقدمة، لكن بدرجات متفاوتة)، والتي لم تنضج لديها بعد الخيارات الإرادية الواعية، في تقرير المصير، ولم تؤسس بعد مؤسساتها المدنية التي تكون بديلا عن مؤسسة الزعيم الفريدة والوحيدة، هي لب المشكلة.

فلو كانت هذه المجتمعات لديها المؤسسات التي تحميها وتدافع عن حقوقها لما احتاجت أو ركنت إلى الزعيم المنقذ والمخلص لها، الذي تمشي في ركابه الحشود متطلعة لأقواله عله يرمي لها فتات أمانيها في عسر دنياها ومأزق وجودها، عله يمن عليها من عليائه ويجود عليها بكرمه الفائض، لهذا تتجمع حول شخص الزعيم وتتمحور حوله كل أماني المجتمع وخلاصاته، وكل اشباعاته النفسية الوهمية13.

إذن الزعامات تخلقها المجتمعات لحاجات نفسية عميقة في وجدانها، مع مؤازرة عوامل داخلية وخارجية، استراتجيات منظورة وغير منظورة، وكذلك تمليها سياقات تاريخية محددة.

فأولا: تمر الزعامة بدور النمو والاحتضان، وتحصيل ما يمنحها التأكيد الكامل والمطلق من شرائح متنفذة في المجتمع، وبعدها، تمر بمرحلة تالية، هي الانفصال عن تلك الشرائح ذات النفوذ التي أعطتها الشرعية، وغذتها بأسباب القوة والشرعية، وامتلاك القاعدة الجماهيرية والشعبية.

وتبدأ لاحقا بإطلاق الأوهام والتهويمات حتى تصير واقعا محسوما ملموسا ومؤطرا، وفكرا مؤدلجا لا يدحض، وعقيدة منغلقة ومكتفية بذاتها، عندها ينقلب الزعيم على صانعيه ويصفي حساباته معهم جميعا، كي لا تشوب شرعيته أي شائبة من قريب أو بعيد.

إذن مهما كانت خصائص الزعيم في فترة حكمه إيجابية أو سلبية، فهو يمثل رمزا بالنسبة لشعبه، سواء كانت شرعيته بإرادة أو من دونها (قسرية). إلا أن هذه العلاقة والتبعية تشوبها (جدلية مشوهة)14، بين الزعيم ورعيته، (وهذه الوضعية مأزقية بالضرورة لكل من الزعيم والجماعة على حد سواء.

فالزعيم لا بد أن يفشل، ويكرر فشله ويتراكم عجزه مفجرا التناقضات بينه وبين جمهوره. فإذا أصر على بقائه في سدة الزعامة وأصر على منهجيته في التفرد في كل الأمور، فإنه سوف يتحول إلى متسلط ولابد من اتخاذ القمع وسيلة للاحتفاظ بمركزه15.

ويجب أن لا يفوتنا أن نشير إلى الزعامات والاختلاف بينها، فهناك ما زالت زعامات تمد شعوبها وجماعاتها التي تؤمن بها بالعافية والطمأنينة والشعور بالانتماء لهويتها، وبمختلف التوجهات ليس فقط، السياسية، بل الثقافية والاجتماعية والدينية، ولكن إذا انقلبت هذه الزعامات بوحي من تصرفاتاها وسلوكها الفردي أو بتعزيز من الجماهير التي تؤمن بها، فإن تلك الجماهير تكون قد وضعت قاهرها بيدها وسقطت في شراكه وربما سحره!

فلهذا يجب أن تقف الشعوب والجماعات من زعاماتها في حيز الوعي والمعقول أما إذا سقطت في الأسطرة فغلقت في منظومة قيمية واحدة فإنها تكون قد وضعت العراقيل مسبقا أمام تقدمها وانفتاحها وضيقت من أفق حرياتاها بنفسها وبصنعها.

ونلاحظ أن المجتمع المقهور والمقموع والمؤجلة أمانيه وتطلعاته يبحث عن ذاته الجمعية واعتباراتها في شخصية الزعيم، ولكن بمرور الوقت تذوب تلك الذات لصالح ذات اشمل هي ذات الزعيم القوية والمؤثرة، وتغدو متابعة ومستسلمة لها، ونرى عبر التاريخ البشري الطويل كيف أن موت الزعامات أو الغياب المفاجئ، بسبب إرباكا وزعزعة وفوضى لا مثيل لها في وجدان الجماعات، لأن تاريخها وبكل ما يحمله، قد اختزل في تلك الجماعات (أو الزعامة)، حتى لو كانت مثل تلك الزعامة لا تخدم تطلعاتها وآمالها، ولكنها نمت وتربت على ذهنيتها والياتها وممارساتها ومناخها الذي أصبحت عناصره جزءا جوهريا من حياتها.

وتبرز مع هذه الإشكالية، إشكالية تغيير القناعات ومدى صعوبتها وعسرها (وربما تكون في كثير من الأحيان مصدر لعنف شديد)، إذ تكون الجماعة أو الشعب يمر باختبارات مشوشة ومشوبة بالتردد والارتباك لأنها لا تملك القدرة والفعالية والإرادة اللازمة بعد أن سلبها الزعيم الموهوم كل قابلياتها، والسبب يرجع- كما سلفنا- إلى ما هو غير منطقي وغير موضوعي، غير عقلاني، والاختزال والدمج الذي مورس ضدها وأصبحت ترى بعدا واحدا هو شخص الزعيم وإتباعه دون غيره.

ونستعير هنا من الدكتور (علي زيعور) توصيفه للجوانب السلبية والسالبة في حقل أي شخصية الزعيم (البطل) لا يحمله من معاني متعددة بقوله: (يأخذني مني، يأخذ من إنسانيتي، يسرق من إنسانيتي التي أودها كاملة. وجوده ينقص وجودي، حضوره فعلا وتذكرا أو تخيلا أو تصورا يلبس حضوري، يعدم يلغي، وأنا أود أن أكون، أن اخلق، أن أعطي… وأنا لا أود أن يضاهيني وان يأمرني وينهيني ويقيد إرادتي ويمنع إرادتي مني ويمتع حريتي، وبأخذ مني المرتبة الأولى في الوجود والمعرفة.. البطل (الزعيم) أناني ومعقود على عوامل ذاتية. وهو سيد التاريخ والمجتمع الحاضر وهو المستقبل البطل يمنع الديمقراطية، يلغي الحوار يرفض النقاش، لا يؤمن بالحرية للفرد، هو عدو المساواة، وهو يحتال عليك بك، تخلقه فيصبح ماردا يرفض العودة إلى الرحم أو القمقم.. نستسلم للبطل (الزعيم) عندما يبلغ الشعور بالضعف والكسل والعجز درجة حادة… فعند الانقهار والانغلاق عند الحاجة أو تهديد الشعور بالأمن والحياة تعطي الذات كل ما يطلب منها من تصورات وتخريفات يمكن أن تلقى على البطل)16.

إن أمام هذا الحقل الواسع يتطلب من العلوم النفسية والاجتماعية وبتلاقح مع حقول السياسة والتاريخ، ومع حقول ذات صلة أخرى بحاجة ملحة إلى فتح هذا الحقل المهم، لا سيما ونحن ما زلنا نعيش في ظل زعامات على مختلف الأصعدة، فيجب أن نفتح هذا الملف المهم على مصراعيه ونكشف خباياه، فهذا الحقل وبنيته يشكل نواة محورية لكثير من قضايانا ومشاكلنا.



[1] – غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، ترجمة وتقديم، هاشم صالح، دار الساقي، ط2، 1997م، ص 127.

[2] – المصدر نفسه، ص128.

[3] – محمد اركون، الفكر الإسلامي قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت، ط2، 1996م، ص91-92.

[4] – محمد اركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت، ط2، 1996م، ص29.

[5] – كارل ابراهام، التحليل النفسي والثقافة، ترجمة وجيه أسعد، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1998م، ص23.

[6] – اريك فروم، الخوف من الحرية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1972، ص125.

[7] – غوستاف لوبون، مصدر سابق، ص130.

[8] – روجيه باستيد، السوسيولوجيا والتحليل النفسي، ترجمة رجيه البعيني، ط1، دار الحداثة، بيروت 1988م، ص121.

[9] – هشام شرابي، النظام الأبوي (اشكالية تخلف المجتمع العربي)، ترجمة محمود شريح، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1993م، ص42.

10 – فريد وآخرون، مراجع الشخصية (الهو، الانا، الانا العليا)، ترجمة وجيه اسعد، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2002م، ص73.

11 – هشام شرابي، مصدر سابق، ص42.

12 – مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي (مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور)،ط7، معهد الإنماء القومي، بيروت 1998م، ص107.

13 – علي زيعور، الكرامة الصوفية والأسطورة والحلم، ط2، دار الأندلس بيروت، 1985م، ص87.

14 – محمد عزت حجازي (وآخرون)، نحو علم اجتماع عربي، ط2، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1989، ص175.

15 – مصطفى حجازي، مصدر سابق، ص109.

16 – علي زعيور، قطاع البطولة والنرجسية في الذات العربية، ط 1، دار الطليعة بيروت، 1982، ص39.

قيس ياسين.