المرشح ( الحلقة الأولى و الثانية ) / عبد الرحمن ودادي

الحلقة الأولى images.jpg

كان الجو خانقا رطبا و يزيده ازعاجا صوت المولد الكهربائي و الإضاءة القوية للمصابيح التي تتجمع على نورها اسراب من مختلف اشكال الحشرات ، مئات الرجال يتزاحمون في الحوش الكبير لمنزل شيخ القبيلة و خدم يحملون كؤوس الشاي جيئة و ذهبا و هم يرتدون السراويل السوداء التي تتدلى منها سيور جلدية طويلة.
توتر الاجتماع يتناسب مع القرار المصري المنتظر … ترشيح ابن شيخ القبيلة لمنصب نائب في لائحة حزب الدولة للانتخابات النيابية عن المقاطعة…. تعالت الأصوات المؤيدة و الرافضة في الوقت نفسه … وتحدث الفقيه اسلم خالو محاولا تهدئة الرافضين قائلا :

– إذا لم تتوافقوا على مرشح موحد فإن قبيلة “المناقيش” ستقضي على ما تبقى لكم من سمعة كسادة على هذه الأرض و خاصة بعد تعيين ابنهم جنرالا و ستذهب كل تضحيات ابائكم في معركة “وذن النيرب ” هباء.

لم يكن استحضار الفقيه لمعركة “وذن النيرب ” اعتباطيا ، لقد اراد ان يرسل اشارة ودية الى محمدو ولد لفطح اكبر المعترضين على ترشيح ابن شيخ القبيلة ، لكون جده هو من حسم المعركة مع فرسان فخذه بعد ان ولت بقية البطون امام الهجوم الأولي “للمناقيش”

التقط محمدو سريعا المجاملة و رد قائلا :

– مصلحة القبيلة فوق أي اعتبار و لكن ترشيح سالم بوه ، لن يخدم المصلحة العامة ، نحن نحتاج لرجل حقيقي يمثل القبيلة في نواكشوط و يدافع عن مصالحها.

ساد صمت متوتر بعد كلمة رجل حقيقي ، كانت الاشارة واضحة لحد الوقاحة ، فالكل يعرف الاشاعات التي تدور حول ابن زعيم القبيلة و ميوله المثلية و التي تعززها حركات يديه المبالغ في ميوعتها و انوثتها.

حاول محمدو استدراك كلامه بعد ان فطن الى صدمة الحضور.

ـ قصدي أن سالم بوه ليس من اهل الدولة و لا يعرف أروقة السياسية ، بينما اخليهن يمارس السياسة من ايام الهياكل وحزب الجمهور ، و يعرف كل اهل السلطة ، كما ان زوجته أخت زوجة رجل اعمال الرئيس المقرب و هذا يمكنه من خدمة القبيلة بشكل افضل.

اشاح اخليهن بهدوء في حياء مصطنع و هم بالخروج بعد ذكر زوجته محاولا اظهار خجله من ذكر الزوجات في اجتماع يضم رجالا في عمر ابيه و حاول بتقطيب حاجبيه إخفاء سروره بالحجة القوية التي أوردها محمدو و لسبب آخر فلقد احس بأن استثمار علاقاته السياسية للحصول على صفقات لشركة محمدو ولد لفطح لم يذهب هباء …

ناداه الفقيه ضاحكا :

لا حياء في الدين ، اجلس ليس عليك ذنب من لسان محمدو ولد لفطح الطويل.

اعتدل شيخ القبيلة في جلسته و ظهرت عليه ملامح الجدية :

– انتم تعرفوني جيدا و تعلمون انني امضيت حياتي في خدمة القبيلة دون ان استفيد من ذلك شيئا ، و ان اختياري لسالم بوه يكمن في نقطة واحدة و هو ان قادة الحزب في نواكشوط هم من اختاروه في اقتراحاتهم الأولية مع مرشح “لمناقيش ” في انتظار حسم الخيار بينهما من طرف رئيس الدولة و الله يعلم انني انزعجت من قرارهم و لكن كيف لي ان ارفض اقتراح الحزب خاصة ان المستفيد الأول سيكون مرشح “المناقيش”…

علت الابتسامات وجوه الكثير من الحاضرين لمعرفتهم بمهارة الشيخ المنقطعة النظير في الاستفادة القصوى على حسابهم بدءا باحتكاره الدائم لكل المناصب لأفراد اسرته و مهارته الفائقة في جمع الأموال على القبيلة و استحواذه على جلها مرة باسم مساعدة مريض او استقبال مسؤول ورشوة موظف سام من اجل دفع الظلم او جلب المنفعة لأحد اتباعه، كما أن الجميع يعرف ان رحلته الأخيرة لنواكشوط بحجة العلاج في الاشهر الماضية لم تكن في حقيقتها الا سعيا الى العمل في الكواليس لترشيح ابنه و انه التقى بكل سياسيي البلد من اجل هذا الهدف ، و ان السبب في ذلك انه يخشى هجرته الى الخارج و خاصة بعد تهديده الدائم عند تلكؤ الأب في تلبية حاجاته المادية المتفاقمة على الدوام و التي تصرف ببذخ جنوني على رغباته المنحرفة.

التقط الفقيه الكلام قائلا :

– انتم تعرفون جميعا خطورة التشتت ، علينا ان لا نظهر فرقتنا في الوقت الذي يتوحد “المناقيش ” على مرشحهم ، مما سيؤدي الى اختيارهم لتمثيل المقاطعة .

هب محمدو ولد لفطح واقفا و هو يصرخ :

هذا واضح … تدبرون في نواكشوط و تجمعونا لمشورة “فم القربة”….و الله لن اقبل بهذا “الهويشاوي ” الذي لم يزر المقاطعة من سنوات ممثلا للقبيلة…..

عم صمت رهيب بعد كلمات محمدو ولد الأفطح و لم يجرؤ احد على الكلام في انتظار خروجه من الحوش ، فهو اسم على مسمى لا تعرف عند النظر اليه هل يقاس طوله و عرضه بالمتر ام بالهكتار مما يجبر مستمعيه على الابتسام الدائم له مهما كانت حدة كلماته حفاظا على سلامتهم البدنية .
يتبع

الحلقة الثانية

دخل محمد سالم الصالون و على محياه بدت علامات الانكسار ، فهمت خديجة انه فشل في مهمته و ان حلمه بالترشح تبخر تماما، حاولت اخفاء فرحتها بهذا الخبر عبر تكشيرة مفتعلة.
زعامة المناقيش الحقيقية حسمت يوم تمت ترقية السالم فال ولد النظيف الى رتبة جنرال ، هذا ما ادركته مبكرا وحاولت اقناع زوجها به منذ اكثر من سنتين و نصحته بالتودد له و الدخول تحت جناحه.

حاول محمد سالم المداومة في مجالس الجنرال ، و بذل جهده أكثر من مرة في كسر الحواجز بينهما ، الا ان الجنرال اظهر صدودا دائما و تعمد التحقير به على مرأى ومسمع من رواد صالونه.

انها لعنة الماضي…..

كانت اسرة الجنرال دخيلة في القبيلة حيث قدم جدهم الأكبر فارا من قسم احد عربان آوكار بإخصائه بعد اكتشاف سرقته لجمله الاثير.

عاشت اسرة الجنرال دائما في معية الزعامة التقليدية للمناقيش و احترف اجداد الجنرال خدمة زعماء القبيلة في مهام خاصة جدا مثل تنظيف مؤخرات الزعماء بعد قضائهم لحوائجهم او الانبطاح لهم للجلوس على ظهرورهم اثناء الاستحمام ولهذا اطلق عليهم اسرة النظيف تيمنا بعملهم الجليل.

كان الجنرال يعيش بمخزون من الغل و الحقد على اسرة الزعامة ، رغم ان محمد سالم الزعيم الحالي للقبيلة هو من ادخله الجيش بعد القبض عليه في بداية الثمانينات متلبسا بسرقة قنينة من الغاز.
زم محمد سالم شفتيه … هز رأسه و اطلق زفرة عميقة و قال مخاطبا زوجته .

– إنه يريد ترشيح ابن أخيه هذا ما تأكدت منه اليوم.

ابتسمت خديجة قائلة :

الحمد لله ، أفضل من ترشيح أحد أفراد اهل المعلوم.

كانت اسرة اهل المعلوم هي الأسرة المنافسة تاريخا على زعامة المناقيش و كان خوف محمد سالم الأكبر من ترشيح احد افرادها ، إلا ان سر ابتسامة خديجة لم يقتصر على هذا السبب وحده.

كان ابن اخ الجنرال على علاقة بميمونة “ميمي” البنت الصغرى لمحمد سالم ، وكان حلم الأم هو ان يتم الزواج بينهما فالشاب اصبح منذ ترقية عمه من اصحاب الثروات، ، كما انها تعرف ان موافقة محمد سالم على هذا الزواج ستساهم في تحسين امورهم المادية و تصفية احقاد الجنرال التاريخية عليهم ، صحيح انها لم تخبر محمد سالم حتى الآن لتأكدها من رفضه في الحالة الطبيعية بسبب مقام اسرته ، و لكنها كانت تراهن في قرارة نفسها انه سيقبل إذا أدرك ان هذا الزواج هو الحل الوحيد لترشيحه للبرلمان و حفظ مقام الزعامة التاريخية لأسرته وهذا ما بدا من الواضح امكانية تحقيقه الآن.

يتبع

المصدر

Advertisements