الوزير جاكي.. والحجر الملعون!



لم تتميز العاصمة الموريتانية نواكشوط عن غيرها من مدن العالم بمعالمها السياحية، أو مواقعها الأثرية، وهو أمر يفسره عمرها القصير مقارنة بمدن وعواصم أخرى تعد أعمارها بالقرون. كما لم تقم فيها نهضة عمرانية لافتة، كعواصم ومدن عربية أخرى أسرت بجمالها -الاصطناعي- الألباب، رغم أنها لم تكن موجودة على خارطة الكرة الأرضية قبل سنوات قليلة.
ما ميز نواكشوط أنها لا تنتمي إلى إولاء ولا أولئك، مدينة انفردت عن جميع عواصم العالم بأنها ظهرت لاحقا بعد قيام الدولة التي من المقرر أن تكون عاصمة لها، كما لو أن العصبة الكريمة التي عاصرت استقلال موريتانيا فطنت متأخرة، وبعد نضال مضن من أجل بناء جمهورية “الملثمين” الأولى إلى ضرورة وجود عاصمة لأي بلد مستقل.

لم تنقل لنا الروايات التاريخية اسم من اقترح موقع نواكشوط الحالي، ولا سببا مقنعا لاختيار هذا المكان بالذات ليكون عاصمة لموريتانيا، وما يوثقه الأرشيف الفرنسي أن جيرارد جاكي وزير المستعمرات أو ما يعرف بـ Ministre de la France d’Outre-mer في حكومة ديغول، هو من وضع أول حجر في هذه المدينة،لتبدأ قصة ولادة قيصرية لمدينة جديدة سيعاني سكانها من لعنة التضاريس وغضب المناخ.
كان للقرارات الارتجالية، وانعدام الرؤية المستقبلية أثر فادح الضرر على مستقبل المدينة الجديدة، فلو أن القرار بني على مشورة مهندس مبتدئ في مجال الطبوغرافيا، لكانت أول ملاحظاته تفيد باستحالة تشييد مدينة على أرض منخفضة لا تحميها تلال ولا مرتفعات صخرية، ما يعرض كل بناياتها لعوامل التعرية القاسية، التي تنهش اليوم كل بناء يرتفع عن 4 أمتار، ناهيك عن مستوى ملوحة التربة، الذي يفوق المعدل في أي مدينة حول العالم، يضاف إلى ذلك ضآلة سمك القشرة التي لا تتعدى في بعض المناطق 60 سنتمترا.
هذه السلبيات البنيوية، انضافت إليها مخاطر أخرى مكتسبة، أولها الهدر الأعمى للحاجز الرملي الذي يحيط بالمدينة، ويمنع وصول مياه المحيط الهائجة إليها، ومخاطر الغرق التي باتت تهدد ساكنيها بسبب ارتفاع منسوب المياه جراء الاحتباس الحراري. وإذا علمنا أن دراسة مناخية جديدة أكدت أن نسبة التهاطلات المطرية ستزيد بشكل كبير خلال الأعوام المقبلة, وأن مدينتنا مرشحة لتدخل موسوعة غينيس لكونها العاصمة الوحيدة في العالم التي لا توجد بها شبكة صرف صحي، سندرك حجم الخطر المحدق بنواكشوط، التي ظهرت فجأة على الخارطة، ويبدو أن ستختفي فجأة في يوم ليس ببعيد!
كل هذه الأمور باتت معروفة للجميع، والمخاطر لم تعد قصصا تروى، بل تجربة معاشة، بعد أن غمرت المياه أحياء كاملة، شرد أهلها واضطرت السلطات لنقلهم إلى مناطق أكثر أمنا، حتى الكثبان الرملية التي تخنق العاصمة من كل جانب، وكان البعض يظنها ملاذا آمنا من الطوفان المرتقب، انبثقت منها بحيرات كلسية آسنة في ظاهرة طبيعية غريبة لم يجد لها الخبراء مثيلا من قبل، وهو ما دفع البعض لاستحضار القصص الخيالية، والأساطير لتفسير هذه “اللعنة”، أحد هؤلاء قال لي إن نواكشوط بنيت على مدينة للجن، وهي معلومة يعرفها المتبحرون في أسرار العالم المظلم، وسكان المنطقة الأوائل، والدلائل على ذلك كثيرة –يقول المتحدث- منها ما سجله التاريخ عندما حاربت الأرواح الشريرة إلى جانب الحرس الموريتاني لصد هجوم قوات البوليساريو نهاية السبعينات، ولولا جند “أهل لخلا” لوقعت العاصمة الموريتانية في يد الولي مصطفى السيد ورفاقه.
 إلا أن حلف الجن مع ساكنة نواكشوط لم يدم طويلا على ما يبدو، ولعل الهجرة الكبيرة نحو المدينة بداية الثمانينات أغضبت “السكان الأصليين”، ودفعتهم لمحاربة الوافدين الجدد.    
 
لست ممن يؤمنون بالخزعبلات التي ينمقها بعضهم ليفسر ظواهر طبيعية بعد أن أعياه تفسيرها بالمنطق، ولم أصدق يوما وجود أماكن تسكنها أرواح شريرة، إلا أنني استنهض همم “حجابتنا”، وكل من لديه علاقة ببني شيصبان ليحددوا مكان الحجر المشؤوم الذي وضعه الوزير جاكي –عليه من الله ما يستحق- لنستخرجه من أرض هذه المدينة، ونقذفه في المحيط. لعل اللعنة التي تلاحق مدينتنا تنتهي.

المصدر.

Advertisements