أنطقني الحق..في مسار مسابقة مفتشي الشرطة الوطنية

أنطقني الحق..في مسار مسابقة مفتشي الشرطة الوطنية

يعيش قطاع الشرطة الوطنية منذ فترة أزمة عميقة، منها إنشاء أجهزة موازية له، وتحجيم صلاحيات الشرطة في أماكن عديدة لصالح قطاع الدرك، إضافة إلى هشاشة القطاع الذي تربع على هرم قيادته مديرون من المؤسسة العسكرية منذ ما يزيد على نصف قرن من الزمن.
ناهيك عن الوضع المزري لرواتب منتسبي قطاع الشرطة، إذ أن أعلى مرتب يمكن أن يحصل عليه أسمى ضابط في الشرطة لا يتجاوز (230 ألف أوقية) وهو أقل من مرتب نقيب في مؤسسة الجيش مثلا، هذا فضلا عن الوضعية المعنوية والتي وصلت إلى الحضيض، جراء سياسة التهميش والتقزيم والتتفيه، والتي انعكست في التصريحات الرسمية وغير الرسمية.
وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى خروج قطاع الشرطة عن السيطرة، كما تدنى الانضباط داخله، شأنه في ذالك شأن إلزامية السر، وظهر ذالك جليا في أكثر من موقف وعبر أكثر من وسيلة إعلام.
إن ما حدث مؤخرا، وباتت وسائل الإعلام منبرا له بشأن اكتتاب خمسة مفتشين لمنحة إلى الدولة التركية، والذي يعلم جميع أطر الشرطة الوطنية أنه جرى في ظروف شفافة ونزيهة وبطرق إدارية واضحة، لا يمكن التغاضي عن تداعياته على مصداقية القطاع برمته.
لقد تم إشعار جميع تشكيلات الشرطة في البلاد بالمسابقة وشروطها عن طريق تعميم، وتم إعداد لائحة بأسماء المتسابقين، بنفس الطريقة، وكذالك حُدِّدَ موعد الامتحان عن طريق تعميم أيضا، وتم تعليق نسخ من التعميمات بالإدارة العامة للأمن الوطني، والأهم من ذالك هو حضور جميع المترشحين باستثناء شخصين فقط، من أصل 72 مترشحا، مع الشخصين الغائبين يعملان في نواكشوط، مما يعني أن غيابهما لا مبرر له، في وقت حضر فيه كل الذين ترشحوا من نواكشوط ومن الولايات الداخلية.
وشهادة لله وللتاريخ، فإن الامتحان جرى لأول مرة تحت إشراف مدرسة تكوين المعلمين، وحتى المراقبين لم يكونوا – صبيحة الامتحان – على علم بكونهم سيراقبون على مسابقة للشرطة، أما المصححون، وهم من طاقم تكوين المعلمين أيضا، فربما لم يعلموا حتى الساعة أن الأوراق التي قُدمت إليهم ودققوقا ونقّطوا ورتبوا أصحابها هي أوراق المشاركين في مسابقة مفتشي الشرطة، ذالك ما أُخبِرنا به لاحقا.
والواضح أن نجاح خمسة مرشحين يتمتعون بالكفاءة والنزاهة المطلوبين لم يكن كافيا لاستحقاقهم المنح التركية، لا لشيء إلا لكون خمستهم لا ينتمون إلى مجموعات متنفذة ومؤثرة، وليس لديهم من عوامل النجاح سوى المعرفة والنزاهة والخبرة، والأمل في أن تكون موريتانيا قد تجاوزت مرحلة المحسوبية والزبونية وقلب الحقائق.
إن قرار المدير العام للأمن الوطني بتصديق الامتحان ونشر نتائجه بعد فرز الملفات والتدقيق فيها كان الدليل على ما أقول، لكن عودة المدير العام نفسه لإلغاء الترقية ، ونقض غزل الخمسة الذي نجحوا استحقاقا، ودون أي تحقيق أو تحرٍ في مسار الامتحان، ودون تقديم أي تبرير للمعنيين ولا للرأي العام يدل هو الآخر على أن قرار مدير الأمن خارج عن إرادته.
والأدهى والأمر كوننا علمنا بمساعٍ جديدة لِلَيِّ عُنق النصوص والقوانين بتشكيل لجنة من الشرطة للإشراف على إعادة الامتحان ذاته، وهي المكلفة بتصحيحه أيضا، مما يتناقض مع النصوص المنشئة والمنظمة للمديرية العامة للأمن الوطني، إذ تختص مديرية التكوين وحدها في تنظيم الامتحانات، وهي التي تم إقصاؤها كلياً من تشكيلة اللجنة المزعومة.
إن الإخوة في الحقل الإعلامي مطالبون بتقصي الأخبار التي ترد إليهم من هذه الجهة وتلك، وسد الأبواب أمام الشائعات التي تصدرها قطاعات أخرى تسعى للنيل من قطاع الشرطة الوطنية، الذي سيظل دائما رافع الهامة، رغم المصاعب والعراقيل والعثرات.
وما نَشَره أحد مواقعنا الاليكترونية مؤخرا عن ربط مسابقة مفتشي الشرطة بترقية أحد اختصاصيي القطاع، عار عن الصحة، ولا يمتُ إلى الحقيقة بصلة، إذ أن أختصاصي الشرطة المذكور تم إبعاثه إلى دولة خارجية من طرف الإدارة العامة للصحة التابعة للقوات المسلحة وقوات الأمن، واتخذت إدارة الأمن القرار الإداري المطلوب بشأنه، لا غير.
وللحديث بقية..

المصدر

Advertisements