انقلابيون مجرمون..

أ.مولاي عبد الله ولد مولاي عثمان

أ.مولاي عبد الله ولد مولاي عثمان

 

عام ألفين وسبعة اعتقد الموريتانيون أنهم قد تخففوا من أثقال العسكر الرعناء يوم انتخبوا رئيسا مدنيا تشكل ذهنه في الجامعات لا الثكنات وتلقى معارفه في فضاء معرفي طبيعي.
لم يكن خافيا على أحد يومها أن العسكر كانوا خلف الباب ولم يرحلوا ولا أنهم كانوا يريدون الرئيس “المؤتمن” سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله مجرد حارس مدني لسلطة يتوهمون أنهم أحق بها وأهلها.

رغم كل ذلك انشرحت صدور الموريتانيين لتراجع العسكر خطوة إلى الخلف وظنوا أنها ستكون بداية عودة إلى الثكنات والثغور، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الشعب وانقلب حراس القصر على من “ائتمنوه” على السلطة وائتمنهم على بوابة قصره.

قبل أن يحدث ما حدث صبيحة السادس من أغسطس عام 2008 كانت التجربة الديموقراطية الموريتانية مثيرة للعرب وقد أشاد بها المنصفون من الكتاب والمفكرين والسياسيين، لكن رجلا مصريا واحدا قال فيها قولا خاصا أظهرت الأيام في ما بعد أنه نصف حق ونصف باطل.

الرجل هو المفكر الناصري العجوز محمد حسنين هيكل الذي قال إن غزل الديموقراطية الموريتانية سينتقض بعد حين واستبعد غاية الاستبعاد أن يكون لأي شيء يحدث في موريتانيا تأثير عربي معتبر لأنها بلد هامشي كما يرى.

الآن عرفنا – أن الرجل الخبير في شؤون الأنظمة العسكرية والانقلابات – كان صادقا في نصف مقولته؛ فقد انتقض غزل الديموقراطية في بلدنا بعد عام ونصف وعاد العسكر إلى الحكم بالدبابات، ونحن اليوم في بلد بلا برلمان شرعي وبلا مجلس شيوخ أو مجالس بلدية شرعية، في بلد عدّل العسكر دستوره بطريقة حقيرة وغير قانونية، ثم إنهم لم ينظموا فيه أي انتخابات عامة مذ حكموا إلا التي شرعوا بها انقلابهم.

أما النصف الباطل من مقولة هيكل فهو ادعاؤه أن ما يحدث في موريتانيا لا تأثير له. لقد كذب هيكل في هذه كذبة سوداء بعد انقلاب العسكر في مصر على الديموقراطية بطريقة تكاد تكون مستنسخة مما حدث في موريتانيا قبل خمس سنوات.

لا فرق بين الانقلابي الفريق أول عبد الفتاح السيسي والانقلابي الجنرال محمد عبد العزيز إلا في مستوى الإجرام الممارس بعد الانقلاب وطبيعة القوى الخارجية التي تأمر وتنهى؛ فالأول يكاد يكون الملحق العسكري في السفارة الأمريكية بالقاهرة، وكذلك يكاد يكون الثاني في السفارة الفرنسية بانواكشوط.

ولعل من الغريب أن لكل واحد من الرجلين “هيكلا” طاعنا في السنّ والتعصب القومي يزين له سوء عمله ومنقلبه، هذا بالإضافة إلى مجموعة “هياكل” صغيرة تستقي من المنبع وتعيد التوزيع. ولقد حذا الانقلابيون المصريون حذو نظرائهم الموريتانيين حذو النعل بالنعل تقريبا، ولا غرابة؛ فالعسكر ملة واحدة.

في موريتانيا حرك الجيش الشارع ضد الرئيس المنتخب؛ فكان ما يسمى “ثورة الجياع” وخططت القوى المدنية المتعسكرة لمحاصرة القصر الرئاسي بجموع من المواطنين تحت حماية الدبابات لولا أن الرئيس عاجلهم بالإقالة فردوا بعزله، ثم اتبعوا خريطة طريق انتقامية؛ فزجوا ببعض الشخصيات المعارضة للانقلاب في السجون بتهم ملفقة صبيانية.

ورغم كل ذلك العسف والعصف بالحريات والديموقراطية ظل إجرام الانقلابيين الموريتانيين أقل بكثير من إجرام نظرائهم المصريين الذين صبوا الرصاص الحي على المواطنين فقتلوا المئات من النساء والرجال والأطفال وجرحوا الآلاف وأطلقوا أيادي عصابات اللصوص والمجرمين في ممتلكات المعارضين ينهبونها ويحرقونها على من فيها، يساندهم في ذلك إعلام مجرم أفاك أثيم يديره صحفيون جهلة تمام الجهل بالإسلام والشريعة المحمدية، فيطعنون في أعراض النساء ويبيحون دماء الرجال ويحرضون على القتل والاقتتال ويزوّرون ويكذبون كما يتنفسون.

إن العسكر ما تولوا أمر أمة إلا حطموها ودمروا مستقبلها وردوها أسفل سافلين؛ فليسقط حكم العسكر حيثما حكموا وكيفما حكموا، ولتسقط كل جمجمة لا يحشوها إلا الحذاء العسكري الأغبر.

المصدر

Advertisements