أول بحث حول الكتابة الطلسمية في موريتانيا أو سر الحرف (الحلقة2)


نخبوية علم التفكير والكتابة الطلسمية//

لم يكن هذا العلم ضمن برنامج المحظرة المتاح لجميع الطلاب، وإنما هو علم خاص لا يتاح الاطلاع عليه إلا لبعض الطلاب النابهين الذين يبذلون جهدا نوعيا. وفي هذا النطاق تتنزل الحكايات المتعلقة بالصعوبات التي واجهها الشيخ سيديا للحصول على الإجازة في “سر الحرف” من شيخيه الشيخ سيد المختار الكنتي وابنه الشيخ سيد محمد، كما تتنزل الحكايات المتعلقة بتلمذة أحمد ولد العاقل على شيخه في “سر الحرف” ألفا ابراهيما، وغيرها من الحكايات التي تتشابه في سياقها ودلالاتها. وقد أخبرني أحد العلماء الموريتانيين، من ذوي الخبرة في هذا الفن، أن الشيخ ألفا عمر الغيني قال لتلميذه أحمد ولد محمد العاقل لما اخذ عنه سر الحرف: “سر الحرف سينه مهموسة، وراءه مرققة” إشارة إلى خصوصية هذا العلم.

وقد احتل علم التفكير والكتابة الطلسمية مكانة كبيرة في قلوب العامة، وصلت حد الإنبهار حيث اعتبروه جزءا من الكرامة التي يحظى بها خاصة الأولياء والصالحين.

الجدول المسبع لعلاج “السل”

من العلماء الذين تعرضوا لهذا العلم وتحفظوا على الكثير من جوانبه (سدا للذريعة) سيدي عبد الله ولد الحاج ابراهيم، فقد ناقش بعض متعلقات علم الجدول في كتابه “رشد الغافل”، كما أنه ذكر مسبع السلالة الذي قال إنه يكتب للشفاء من تعرض لـ”مص الدم”. ومسبع السلالة المذكور هو جدول من سبع خانات وأحرفه الموضوعة في خاناته هي سواقط الفاتحة، أي الأحرف التي لا توجد في سورة الفاتحة؛ وهي الفاء والجيم والشين والثاء والظاء والخاء والزاء، وصورة مسبع السلالة هي:

ومنذ ظهر مسبع السلالة اهتم به الموريتانيون كثيرا لاعتقادهم في نجاعته لدفع ظاهرة “السل” التي يرجعونها لعملية سحرية، يمتص بموجبها “السلال” ما في قلب الإنسان من دم. ومن الملاحظ أن طبقية المجتمع جعلت “السل” يرتبط في ذهن الناس بشريحتي “العبيد” و”الحراطين”، وهي مسألة تحيل في رأينا إلى نوع من ممارسة الظلم الاجتماعي. وقد نظم محمد الحبيب ولد مايابه مسبع السلالة بقوله:

هذا مسبع لسحر دافـع++وإنه من بابه لنافـــع

وهو مجرب فقد جربته++ونفعه إذ ذاك قد وجدتـه

كيف لا وهو كلام طيب++والعلماء في أخذه قد رغبوا

وفيه أسماء لمولانا علا++يحصل نفعها لمن ذا استعملا

وهو مضاف لكلام الله++في خمس آيات على تناهي

إلى أن يقول:

تناسب الدفع لكل شر++لاسيما إن كان شر السحر

ولناظم آخر في ضبط مسبع السلالة:

وإن ترد لجدول الـسلاله++فخذه بالنظم وع المقالــه

مجدول مسبع بعد الآيات++معمر بذي الحروف بالثبات

علم الجدول

يحتل الجدول مكانة كبيرة في هذا العلم، ويتخذ كل من الجدول والوفق شكلا هندسيا لكنهما يختلفان في مسائل، إذ يرتبط الوفق باقترانات فلكية، تتعلق بالطالع (التوقيت) والطيب المستخدم (البخور) وغيرهما من عناصر الوفق المعروفة في هذا الفن بـ”الزيجرة”، بينما يرتبط الجدول باستخدام أسرار بعض الحروف والأدعية إضافة إلى أنه يقوم على نظام حسابي مرتب، يُضعّـف من خلاله عدد معين للحصول على وضع قليل، وهو ما يسمى بالقوة. ولهذا حذر مشايخ هذا العلم من الاقترانات وما يتعلق بها من طالع نحس وسعد وصفات طلسمية، لأنها تدخل في نطاق فن ممارسة السحر المنهي عنه شرعا، ذلك لأنهم حريصون على الوقوف عند نهي الشارع وأمره. يقول لمرابط محمذن فال ولد في كتابه “فتح الحق” في معرض حديثه عن الأوفاق: “وهي لا تخلو من نوع ذم، إلا أن الذم فيها شديد حيث كان فيها رصد الأفلاك، كانتظار طلوع كوكب أو ساعة من ليل أو نهار، من غير توقيت من الشارع، بل بحسب نحوسة أو سعودة الأوقات باعتبار الكواكب، ونحو ذلك وكذلك إذا كان فيها تعوذ برؤساء الجن، فهو يجري على ما مر من التعوذ بمردة الجن، وما سلم من هذين الأمرين كان أخف، وذلك كتقطيع الأسماء في بيوت الأوفاق مع أن ذلك سوء أدب مع أسمائه تعالى، وفي الأسماء لمن صحت نيته وطابت سريرته بتقوى الله تعالى، دون تقطيع كفاية، لكن ينبغي مع ذلك مراعاة المناسبة في المعنى بين الإسم وما يستعمل فيه، ومراعاة عدد حروف الإسم. هكذا نصوا ولا ذم في هذا عند جميعهم، إلا من حيث تعلق بما يذم شرعا”.

ويستخدم كل من “سر الحرف” و”سر العدد” و”سر الكلمة” في الجدول.

يتتابع

بحث/ محمد الأمجد ولد محمد الأمين السالم/ خاص بالمدى

المدى.

Advertisements